أخنوش :الرؤية الملكية والتنزيل الحكومي: الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في قلب مغرب المستقبل
السيد رئيس مجلس النواب المحترم؛
السيدات والسادة النواب المحترمون؛
سعيد بالحضور معكم مجددا في هذا الموعد الدستوري تطبيقا لأحكام الفصل 100 ومقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب.
وأشكركم على اختيار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني موضوعا لهذه الجلسة الشهرية، وذلك بالنظر لما يكتسيه من أهمية بالغة كمحرك أساسي للتحول الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه بلادنا تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
فالتطور الملحوظ الذي يعيشه القطاع يأتي في سياق العناية المولوية التي يوليها صاحب الجلالة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني منذ اعتلائه العرش، حيث أكد جلالته في خطاب العرش في 30 يوليوز 2000 على أنه:
“لا مكان لتنمية اجتماعية بدون تنمية اقتصادية، مما يستوجب بناء اقتصاد جديد قادر على مواكبة العولمة ورفع تحدياتها. وإذا كنا نعتمد اقتصاد السوق فهذا لا يعني السعي لإقامة مجتمع السوق بل يعني اقتصادا اجتماعيا تمتزج فيه الفعالية الاقتصادية بالتضامن الاجتماعي”. انتهى منطوق الخطاب الملكي.
وأمام هذا الاهتمام الملكي السامي، كانت الحكومة منذ تنصيبها تعي جيدا الأدوار الحقيقية لهذا القطاع، الذي يشكل رافعة أساسية للتنمية المستدامة، خصوصا في العالم القروي.
مما تطلب إعادة النظر في أسس تطوير وتأهيل منظومة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني حتى يكون مؤهلا كقطاع ثالث إلى جانب القطاعين العام والخاص.
حضرات السيدات والسادة؛
إن الحكومة، ومنذ انطلاقها، تعاطت مع قضايا الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وفق فلسفة جديدة تأسست على عمق تاريخي مغربي أصيل.
ذلك أن تطور المجتمع المغربي كرس موروثا اجتماعيا قائما على التآزر والتضامن والوحدة بين مكوناته، والسعي الحثيث نحو بلوغ أهداف الارتقاء الاجتماعي والاقتصادي للأفراد والجماعات.
كما آمنا إيمانا راسخا أن هذا القطاع الذي عرف تطورا في السنوات الأخيرة، سيظل رهانا استراتيجيا من أجل خلق فرص الشغل ومحاربة كل أشكال الإقصاء الاجتماعي.
وفي نفس الوقت ندرك تمام الإدراك ضرورة استغلال كل الفرص المتاحة لجعل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني قاطرة حقيقية لتنمية الاقتصاد الوطني..
وجعله ضمن قائمة الحلول الممكنة لتحقيق تنمية ترابية عادلة ومستدامة، تتجاوز كل المقاربات السابقة في بلورة برامج جديدة، تعزز الصمود الاقتصادي، وتواجه مختلف الصعوبات الطبيعية والمناخية خصوصا في العالم القروي.
وقد بلغت الدينامية المسجلة مستوى متقدما، حيث يضم القطاع حوالي 63.445 تعاونية،
من بينها 22.914 تعاونية أحدثت ما بين 2021 و2025، وتضم هذه التعاونيات أكثر من 878 ألف منخرط، تشكل النساء 34 %، إلى جانب 7.891 تعاونية نسائية.
حضرات السيدات والسادة؛
بكثير من الاعتزاز والفخر، نؤكد أمامكم أن هذه الحكومة استطاعت في ظرف وجيز خلق دينامية متصاعدة وملموسة في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
وتجسيدا للإرادة الحكومية في تأهيل هذا القطاع، خصصت الحكومة غلافا ماليا قدره 368 مليون درهم لتفعيل الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بهدف دعم التعاونيات والمقاولات الاجتماعية، وتعزيز برامج التكوين والمواكبة.
وإحداث الأقطاب الترابية، وإرساء إطار قانوني ومجالي متكامل، بما يجعل من هذا القطاع رافعة استراتيجية للتنمية الشاملة.
وكذلك من خلال استكمال وتجويد مجموعة من البرامج، واتخاذ جملة من الإجراءات ذات الأولوية بهدف تقوية مختلف التنظيمات التعاونية والمقاولات الاجتماعية.
فأمام التطور المتنامي لهذا القطاع، بادرنا إلى استكمال مسار البرنامج الوطني «مؤازرة»، وهو برنامج محفز يأتي في إطار المساهمة في تمويل مشاريع تنموية لفائدة منظمات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني على الصعيد الوطني.
ودعم المشاريع الجديدة الرامية إلى خلق أنشطة مدرة للدخل وإنتاج الثروة لفائدة الشباب والنساء.
والتي تشمل بالأساس إعادة التأهيل والبناء والتموين والتجهيزات الضرورية لفائدة 325 تعاونية، والتدخل كذلك لتقوية التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجالات الترابية المتضررة،
وذلك عبر إحداث 100 تعاونية جديدة من جيل جديد وتمكينها من الوسائل الضرورية لضمان انطلاقتها بشكل جيد.
حضرات السيدات والسادة؛
إن الحكومة، ومنذ تنصيبها، كانت تؤمن إيمانا عميقا أن إرساء التمكين الاقتصادي للنساء أصبح أولوية وطنية لا يمكن تجاوزها في بناء المغرب الصاعد،
مع توفير كل الشروط الضرورية لانخراطها في مجتمع الكرامة والمساواة الذي نطمح إليه جميعا.
لذلك أطلقنا برنامج «تحفيز نسوة»، وهو برنامج واعد سيمكن من دعم المبادرات النسائية وتحفيزها على إحداث تعاونيات مهيكلة ومستدامة تستجيب للحاجيات المحلية.
وسيشكل هذا البرنامج رافعة أساسية للتشغيل في صفوف النساء. ما يجعل منه، إلى جانب برامج أخرى، آليات لتحقيق الرؤية الحكومية الرامية إلى تعزيز التمكين الاقتصادي للنساء والرفع من قدرة المرأة على ولوج سوق الشغل.
وبالموازاة مع عمليات الدعم والتمويل لعدد من البرامج والمشاريع التي يتم تنزيلها، تحرص الحكومة على مواصلة تنفيذ برنامج «مرافقة» الذي يستهدف مواكبة التعاونيات حديثة التأسيس بمعدل 500 تعاونية كل سنة.
من خلال ثلاثة محاور:
- التشخيص الاستراتيجي
- والتكوين الجماعي
- والمواكبة الفردية
مع العلم أن الحكومة تواصل تشجيع المشاريع النسائية المبتكرة التي لها وقع إيجابي على الواقع السوسيو-اقتصادي للمرأة المغربية.
وفي هذا الإطار، يأتي تنظيم النسخة السادسة للجائزة الوطنية «لالة المتعاونة»، التي عرفت مشاركة 388 تعاونية نسائية، وهي تجربة تحتفي بالمبادرات النسائية المنخرطات في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني على الصعيد الوطني.
كما كان للحكومة شرف استكمال برنامج «الجيل المتضامن»، الذي يشكل مبادرة وطنية سنوية لتشجيع الشباب على العمل التعاوني الشامل والمستدام.
وقد ساهم هذا البرنامج منذ إطلاقه في تمويل أزيد من 128 مشروعا تعاونيا لفائدة الشباب.
حضرات السيدات والسادة
يشكل إنعاش وترويج المنتوجات المجالية رافدا مهما من روافد الرؤية الحكومية لتطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني…
وآلية محورية للتسويق الترابي الفعال، وإتاحة الفرصة أمام الفاعلين لتبادل الابتكار والرفع من دينامية المجالات الترابية.
فقد تميزت الفترة الممتدة من سنة 2021 إلى سنة 2025 بتنظيم 20 دورة للمعارض الجهوية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني،
موزعة على مختلف جهات المملكة، إضافة إلى عرض منتوجات وخدمات لأكثر من 3.600 منظمة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بتمثيلية نسائية بلغت 54% وبحضور قوي للمرأة القروية.
كما استفاد أزيد من 14 ألف متعاون ومتعاونة من الدورات التكوينية والورشات العلمية المنظمة بالموازاة مع هذه التظاهرات، بنسبة مشاركة نسائية بلغت 59%.
فيما بلغ رقم المعاملات الإجمالي المنجز من خلال عملية تسويق منتجات العارضين حوالي 200 مليون درهم.
وبالإضافة إلى ذلك، تم تنظيم 16 نسخة من الأسواق المتنقلة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، موزعة على مختلف جهات المملكة.
تم من خلالها عرض منتوجات وخدمات حوالي 1.300 منظمة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بتمثيلية نسائية تصل إلى 54 %.
وفي نفس السياق، يتم العمل على تجربة متفردة لإحداث بنيات جهوية نموذجية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
والتي تهدف بالأساس إلى تثمين المنتوجات المجالية المحلية، وتوفير منصة دائمة للعرض والتسويق لفائدة التعاونيات، وتحسين دخل الفئات المستهدفة.
وقد مكنت حصيلة هذه التجربة من تحقيق نتائج جد ملموسة من خلال تتبع تنفيذ أشغال المنصة والمرصد الجهوي ودار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بوجدة.
علاوة على تتبع تنفيذ أشغال حاضنة بنسودة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني بفاس، بالإضافة إلى تتبع تنفيذ أشغال منصة لتثمين وتسويق المنتوجات المحلية ودار الاقتصاد الاجتماعي بأزيلال.
حضرات السيدات والسادة؛
شكلت الدورة الخامسة للمناظرة الوطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة نصره الله، محطة وطنية بارزة خلال هذه السنة، تم من خلالها التأكيد مرة أخرى على مكانة القطاع في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمملكة.
كما كانت فرصة مواتية للتشاور والتواصل حول الهيكلة القانونية وحكامة القطاع.
وتحديد التوجهات المستقبلية، حيث عرفت هذه المناظرة مشاركة أكثر من 1.000 مهتم بالقطاع، من بينهم خبراء دوليون من 20 دولة.
وقد أسفرت أشغال هذه المناظرة عن اقتراح مجموعة من التوصيات للنهوض بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني في مختلف المجالات.
والتوقيع على 15 اتفاقية للشراكة والتعاون بين الشركاء والمتدخلين المؤسساتيين والخواص ومنظمات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
وفي نفس السياق، تواصل الحكومة انكبابها المباشر على إعادة هيكلة القطاع من خلال إعداد مشروع قانون إطار للاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
وذلك وفق رؤية متكاملة تهدف بالأساس إلى تحديد التوجهات الكبرى وآليات دعم هذا القطاع، والاعتراف به كقطاع ثالث قائم الذات، وجمع كافة مكوناته في إطار مرجعي موحد.
كما أن الحكومة تعمل على إنجاز دراسة تتعلق بالمواكبة على إحداث الأقطاب الترابية النموذجية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
تستند على تصور يقضي بإحداث مراكز اقتصادية جهوية متخصصة، يعهد إليها بتجميع وتوحيد وتضافر جهود جميع المتدخلين في القطاع.
وستتولى هذه الأقطاب توفير الظروف الملائمة للتحفيز على إقامة علاقات التعاون الاستراتيجي وتبادل الموارد والخبرات،
بما يتيح لها المساهمة في تقوية التماسك الاجتماعي وتقليص الفوارق المجالية وتشجيع التنمية المندمجة.
وفي إطار تشجيع الابتكار الاجتماعي، تم إعداد بنك للمشاريع التعاونية، وتنظيم محطات جهوية ومسابقات تقدم لها 579 مشروعا، تم انتقاء 216 فكرة مشروع قابلة للتنزيل.
كما تم إطلاق برامج نوعية، من قبيل برنامج Coop’IN، الذي يتيح سنويا إدماج 25 ألف مستفيد، إلى جانب برامج أخرى مكنت من تمويل مئات المشاريع وإحداث والحفاظ على آلاف مناصب الشغل، مع تركيز خاص على النساء والمجالات المتضررة.
حضرات السيدات والسادة؛
أستغل هذه اللحظة الدستورية للإشادة والتنويه بالأدوار الاقتصادية والاجتماعية التي يلعبها قطاع الصناعة التقليدية، بما له من أهمية قصوى في تشغيل أزيد من 2.6 مليون صانع وصانعة…
وكذلك لما يمثله هذا القطاع من واجهة حقيقية لإشعاع الهوية الحضارية المغربية، عبر ما يجسده المنتوج الحرفي من قيم الأصالة والإبداع والاستمرارية التاريخية.
ومساهمته القيمة في الناتج الداخلي الخام، والتي تقدر بنسبة 7%، إضافة إلى تحقيق ارتفاع مهم في حجم صادرات القطاع، مما يشكل دعامة أساسية لجهود الدولة في تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، خصوصا في المجالات القروية والجبلية.
ولابد من التذكير أن القطاع يحتوي على 13 ألف تعاونية تضم أزيد من 90 ألف متعاونة ومتعاون، وهو ما يتيح لها الاستفادة من كل الأوراش والبرامج الحكومية الموجهة للقطاع التعاوني.
وقد أبان قطاع الصناعة التقليدية عن دينامية اقتصادية متصاعدة، ترجمت بأرقام دالة على تحوله إلى رافعة حقيقية لخلق القيمة. إذ بلغت صادراته سنة 2024 ما مجموعه مليار و100 مليون درهم، مسجلة ارتفاعا بنسبة 40% مقارنة بسنة 2019، مع معدل نمو سنوي متوسط بلغ 7,4 % خلال الفترة ما بين 2021 و2024.
وتتواصل هذه الوتيرة الإيجابية خلال سنة 2025، إذ بلغت قيمة الصادرات إلى حدود نونبر2025، مليار و230 مليون درهم، مسجلة زيادة قدرها 11% مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2024.
وهي مؤشرات تؤكد قدرة المنتوج الحرفي المغربي على الاندماج في الأسواق الدولية وتعزيز حضور العلامة المغربية عالميا.
كما عرف القطاع تحولا نوعيا على مستوى التنظيم والحماية الاجتماعية، في إطار تفعيل مضامين السجل الوطني للصناعة التقليدية، الذي يضم إلى حدود اليوم ما يناهز 440.000 صانع وصانعة.
وبشراكة مع غرف الصناعة التقليدية وجامعتها، تم إطلاق ورش البطاقة المهنية للصانع التقليدي، والذي دخل حيز التنفيذ ويتم حاليا تعميمه على مستوى مختلف الغرف المهنية.
ويهدف هذا الورش إلى تمكين الصناع التقليديين من وثيقة رسمية تثبت صفتهم المهنية وهويتهم الحرفية، وتيسر ولوجهم إلى البرامج والخدمات العمومية…
ولا سيما المشاركة في المعارض والتظاهرات، والاستفادة من امتيازات في مجالات التسويق، والنقل، والتأمين، والخدمات المالية، بما يعزز تنظيم القطاع وإدماج الحرفيين في النسيج الاقتصادي الوطني.
وفي سياق مواصلة تنزيل الإصلاحات الهيكلية المنصوص عليها في القانون رقم 50.17، انطلق ورش إحداث الهيئات الحرفية بمختلف جهات المملكة.
حيث بلغ مراحل متقدمة من التنفيذ، توجت بانخراط واسع للصانعات والصناع التقليديين في مسار تنظيم ذاتي ديمقراطي، قائم على الانتخاب الحر والمسؤول.
وقد مكنت هذه الهيكلة المهنية من إرساء تمثيلية حقيقية لمختلف فئات القطاع، وإحداث مخاطب مهني شرعي وموحد، يساهم في تحسين الولوج إلى آليات الدعم، والتكوين، والتمويل، والتسويق، وتثمين المنتوج التقليدي ورفع تنافسيته.
وفي إطار السياسة العمومية التي تنتهجها الحكومة، والرامية إلى تطوير القطاع وتعزيز تسويق منتوجاته، تم خلال سنة 2024 تنظيم 70 معرضا محليا وجهويا ووطنيا، بمعدل 6 معارض بكل جهة، مكنت من استقطاب حوالي 2.520.000 زائر، وتحقيق رقم معاملات ناهز 52,5 مليون درهم.
وبرسم سنة 2025، تم توقيع عقد برنامج مع غرف الصناعة التقليدية لتنظيم المعارض خلال الفترة الممتدة بين يونيو وأكتوبر، وربطها بالحركية السياحية الصيفية، وبالتظاهرات الوطنية الكبرى، فضلا عن التظاهرات الدولية، خاصة كأس إفريقيا للأمم 2025، بالمدن المستضيفة.
وقد أسفرت هذه الجهود، إلى حدود اليوم، عن تنظيم معارض جهوية ومحلية من طرف جميع الغرف، بلغ عدد زوارها حوالي 9.000.000 زائر، وحققت رقم معاملات إجماليا قدر بـ 80 مليون درهم، على مدى 550 يوما من النشاط. كما تجاوز عدد المشاركين 4.000 مشارك، بمعدل 62 مشاركا في كل معرض. مع تسجيل مشاركة نوعية وازنة للصانعات التقليديات بالعالم القروي والتعاونيات النسائية.
واعتبارا لمكانة التعاونيات النسائية التي تمثل أزيد من 47% من مجموع التعاونيات الناشطة في قطاع الصناعة التقليدية،
فقد اعتمدت الحكومة حزمة من التدابير الرامية إلى تمكينهن وإبراز دورهن الحيوي في إنعاش وتطوير الأنشطة الحرفية.
وفي هذا الإطار، يجب الإشارة إلى برنامج «دور الصانعة» الذي يضم أزيد من 100 فضاء لفائدة حوالي 3.900 صانعة في مجالات مثل نسج الزرابي التقليدية والطرز والخياطة.
إضافة إلى تمكين 300 وحدة إنتاجية نسوية من الحصول على شهادات التصديق، فضلا عن برامج التكوين بالتدرج المهني، وتعزيز القدرات التقنية والأفقية والتربية المالية التي استهدفت النساء التعاونيات ببلادنا.
وإدراكا منها لأهمية العنصر البشري، عملت الحكومة على تعزيز منظومة التكوين المهني في مجال الصناعة التقليدية، التي تتوفر اليوم على 67 مؤسسة و100 ملحقة موزعة عبر التراب الوطني، بطاقة استيعابية تفوق 35 ألف مقعد بيداغوجي.
وقد بلغ عدد المستفيدين من التكوين 73.427 شابا وشابة، تشكل النساء 63 %، وهو ما يعكس الدور المحوري لهذا القطاع في إدماج الشباب والنساء وبناء رأسمال بشري مؤهل.
حضرات السيدات والسادة،
إن الحكومة التي نتشرف بقيادتها كانت، منذ البداية، على وعي تام بالآثار السلبية التي خلفتها توالي سنوات الجفاف على النسيج الاقتصادي بالعالم القروي.
حيث كان من الضروري وضع مقاربات حديثة ترتكز على ضرورة تأهيل العنصر البشري، وإدماج الشباب، وتحفيزهم على ولوج عالم المقاولة الفلاحية، وخلق طبقة متوسطة منتجة في العالم القروي.
لذلك تتوخى الرؤية الحكومية القائمة على استراتيجية «الجيل الأخضر»، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية، مواكبة الإدماج المهني للشباب، وتوفير فرص الشغل المدرة للدخل، ودعم إقامة المشاريع الفلاحية في العالم القروي.
إذ عملنا على استغلال كل الفرص المتاحة التي يوفرها «الجيل الأخضر» والإمكانات الواعدة لهذا البرنامج.
بهدف تحقيق التمكين الاقتصادي والاجتماعي للشباب والنساء، وتثمين الموارد المحلية، والمساعدة على ولوج الأسواق الوطنية والدولية.
وفي هذا الصدد، تم إنشاء مجموعة من وحدات تثمين المنتجات المجالية، من خلال عمليات البناء أو التأهيل أو التجهيز، وكذا دعم الولوج إلى الأسواق، وذلك بكلفة تجاوزت 256 مليون درهم.
كما تم تحديد أزيد من 2.500 مجموعة منتجة تمثل أكثر من 4.000 تعاونية، تضم ما يفوق 77 ألفا و500 فلاح، وبناء 46 وحدة لتثمين المنتجات المجالية، وتأهيل 270 وحدة، وتجهيز 721 وحدة أخرى.
كما نسجل بإيجابية النتائج المحققة في إطار مشاريع الجيل الجديد للفلاحة التضامنية، والهادفة بالأساس إلى مواصلة مسارات التمكين الاقتصادي والإدماج الاجتماعي للنساء والشباب.
فخلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2025، تم الإعداد والمصادقة على 183 مشروعا لفائدة 108 آلاف مستفيد، من بينهم 32 ألفا و500 شاب و19 ألفا و300 امرأة، بغلاف مالي قدره 3458 مليون درهم.
كما لا يفوتني أن أسجل بكل إيجابية المبادرات التي قامت بها الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان لدعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني،
فقد بلغت التكلفة الإجمالية لهذه البرامج أزيد من 246 مليون درهم، ساهمت الوكالة بحوالي 95 مليون درهم، حيث تم تمويل 976 مشروعا متنوعا، مكنت مجتمعة من خلق ما يقرب من 10 آلاف منصب شغل.
واستفادت من هذه المشاريع 427 تعاونية ومجموعة ذات منفعة اقتصادية، و469 مقاولة صغيرة جدا وصغيرة، و80 جمعية.
وعلى صعيد آخر، تلعب الوكالة أدوارا مركزية في دعم وتشجيع التعاونيات والمجموعات ذات النفع الاقتصادي والاجتماعي.
فعلى سبيل المثال، تم تخصيص خلال الدورة الرابعة عشرة لمعرض التمور بأرفود 132 رواقا لهذه المنظمات المهنية، منها 100 رواق لتعاونيات سلسلة نخيل التمر و32 لتعاونيات المنتجات المجالية، من مجموع 220 عارضا.
كما استقبل المعرض الدولي للأركان نحو 100 تعاونية لعرض المنتجات المحلية، ومشاركة الخبرات والمعارف التقليدية، والترويج للممارسات المستدامة والمسؤولة في مجال الأركان.
وعلى صعيد آخر، ودائما في إطار الدينامية الإصلاحية العميقة التي يقودها صاحب الجلالة نصره الله وأيده، تواصل الحكومة مسار تكريس الاستثمار المنتج للثروة كأولوية حكومية لتنشيط الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية الشاملة.
وفي هذا السياق، يأتي إطلاق النظام الجديد للدعم الخاص بالمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة كدعامة مركزية لأكثر من 90% من النسيج المقاولاتي المغربي، بما له من قدرة ملموسة على التأثير في واقع سوق الشغل ببلادنا.
وينتظر من هذا النظام أن يساهم في تحقيق العدالة المجالية وتحفيز الدينامية الاقتصادية على جميع جهات المملكة، والاستفادة من آليات تمويلية مبسطة، ومنح للاستثمار قد تصل إلى 30% من مبلغ الاستثمار القابل للتحفيز.
وإذ نؤكد على الدور الحيوي لقطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني داخل منظومة المقاولات المتوسطة والصغيرة.
فإننا واثقون بأن نظام الدعم سيشمل المقاولات العاملة في هذا المجال، بما يعكس قدرة القطاع على تحقيق أهداف نظام الدعم
حضرات السيدات والسادة؛
إننا نقف اليوم جميعا أمام رهانات ملكية جديدة، رهانات استراتيجية لبلورة جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، أساسها العدالة المجالية والاجتماعية، وضمان الولوج العادل والطبيعي للمواطنين، على قدم المساواة، للاستفادة من ثمار التنمية.
ولذلك تنصب أهم المحاور الرئيسية لهذه البرامج على تعزيز فرص التشغيل، عبر تحديد الأنشطة ذات الخصوصيات المحلية، وخلق مناخ ملائم لريادة الأعمال والاستثمار المحلي.
وعلى هذا الأساس، سيعطي انخراط الاقتصاد الاجتماعي والتضامني دفعة قوية في إطار رؤية شمولية للمجالات الترابية، باعتباره مساهما أساسيا في الاندماج الترابي الهادف إلى تقليص الفوارق بين القرى والمدن.
وسيساهم كذلك في صياغة مشاريع تنموية تضع المواطن ضمن أولوياتها، لاسيما فئتي الشباب والنساء، وتعزيز مشاركة الساكنة وانخراطها في جهود التنمية.
كما أود في الختام التأكيد أمامكم أن الرؤية الملكية الاستراتيجية للمغرب الصاعد تقوم على نموذج إصلاحي أساسه النتائج والمساءلة والعدالة المجالية والاجتماعية، بما يتجاوز منطق الاكتفاء بتوفير الخدمات فقط…
نحو استغلال كل الفرص المتاحة لبناء تنمية مجالية قائمة على الإدماج الاقتصادي، يلعب فيها الاقتصاد الاجتماعي والتضامني دورا محوريا في ضمان التكامل بين البرامج على المستوى الترابي.
لنجعل منه نموذجا اقتصاديا متكاملا، وحاضنة حقيقية ستساهم في خلق الثروة وإحداث فرص الشغل في أوساط الشباب والنساء.
وبالتالي، يمكننا المراهنة عليه لقيادة قطار التنمية في أبعاده الترابية، واستغلال كل الطاقات الممكنة للرفع من معدلات النمو، والحفاظ على التماسك الاجتماعي وتوازنه،
وجعله نموذجا راسخا في تحقيق العدالة المجالية، المجسد لقيمنا الأصيلة في التضامن والتكافل، والمساهم في بناء مجتمع أكثر عدالة وإنصاف، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

