طلوع عبدالإله لمجلة 24: مبادرة ترشيح الشباب المستقلين… ريع انتخابي جديد يهدد جوهر العمل الحزبي
في حوار خاص مع مجلة 24، تحدث الباحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب، الدكتور طلوع عبدالإله، عن قراءته لمقتضيات مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، وخاصة ما يهم ترشيح الشباب المستقلين الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة في الانتخابات التشريعية المقبلة.
طلوع عبدالإله استهل حديثه بالتأكيد على أن المبادرة في ظاهرها تحمل نَفَساً إصلاحياً يعكس رغبة الدولة في تجديد النخبة السياسية وإتاحة الفرصة أمام فئات شبابية ظلت لسنوات تشعر بالإقصاء من دوائر القرار، غير أنه شدّد على أن القراءة المتأنية للنص تكشف عن منزلقات خطيرة قد تُحوِّل هذه المبادرة إلى ريع انتخابي جديد تحت غطاء تشجيع الشباب.
وأوضح أن اشتراط جمع 200 توقيع لقبول لوائح الشباب المستقلين، مع فرض نسب محددة للنساء لا تقل عن 30% في الدوائر المحلية و50% في الجهوية، وإلزامية توزيع التوقيعات على مختلف العمالات والأقاليم بنسبة 7%، يجعل العملية معقدة إلى حد بعيد.
وقال إن هذه الشروط قد تبدو في ظاهرها ديمقراطية وشاملة، لكنها في العمق تشكل حاجزاً بيروقراطياً يَحول دون المشاركة الحقيقية للشباب المستقل، خصوصاً أولئك الذين لا يملكون موارد مالية أو لوجستيكية قوية.
الباحث شدّد على أن الديمقراطية لا تُبنى بالعراقيل التقنية بل بالتأطير والثقة، مضيفاً أن النظام الانتخابي حين يرفع سقف الشروط أمام الفئات غير المنظمة، فإنه يدفعها عملياً نحو التهميش، بدل أن يفتح أمامها أبواب المشاركة.
وفي تعليقه على الدعم المالي العمومي المقرر بنسبة 75% من نفقات الحملة الانتخابية للوائح المستقلة، عبّر طلوع عن تحفظ واضح، معتبراً أن “ما يبدو دعماً تشجيعياً هو في الحقيقة شكل جديد من الريع السياسي، لأن التجارب السابقة أثبتت أن السماسرة والوسطاء هم المستفيدون الحقيقيون من مثل هذه المبادرات”. وأضاف أن المال الانتخابي حين يغيب عنه التأطير والمحاسبة، يتحول من وسيلة دعم إلى أداة لتفريخ الانتهازية وتبديد المال العام.
وأكد طلوع أن تمويل الدولة للمرشحين المستقلين لا يمكن أن يُعوّض غياب الانتماء التنظيمي والسياسي، لأن الديمقراطية الحقيقية تُمارَس من داخل الأحزاب لا خارجها. وقال بالحرف: “أنا من الذين يؤمنون بأن الأحزاب السياسية، رغم أعطابها البنيوية، تبقى الإطار الطبيعي للممارسة الديمقراطية. فهي التي تُفرز البرامج وتُؤطر النقاش وتمنح المعنى للفعل السياسي”.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن فتح المجال أمام لوائح مستقلة بلا تجربة أو هوية فكرية هو في جوهره إضعاف إضافي للمشهد الحزبي وتفكيك لمبدأ الوساطة السياسية الذي يمثل صمام الأمان في كل نظام ديمقراطي.
واعتبر أن الدولة إذا كانت جادة في تجديد النخب، فعليها أن تستثمر في إصلاح الأحزاب نفسها: في هياكلها، وفي ديمقراطيتها الداخلية، وفي قدرتها على استقطاب الكفاءات الشابة، بدل خلق مسارات موازية تُعيد إنتاج نفس العزلة السياسية.
وفي حديثه عن الرقمنة، نوّه الباحث بالإجراء المتعلق بتبسيط إيداع الترشيحات عبر منصة إلكترونية، معتبراً أنه تحديث ضروري للمرفق الانتخابي، لكنه نبّه إلى أن الرقمنة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتبسيط المساطر. وأضاف: “إذا لم تُواكب الرقمنة بتكوين ومواكبة تقنية عادلة، فإننا سنخلق إقصاء رقمياً جديداً بدل أن نحقق الانفتاح”.
وفي تقييمه الشامل للمبادرة، أكد الدكتور طلوع أن “المشكل ليس في النص بل في السياق”. فالنوايا الإصلاحية قد تكون صادقة، لكن الممارسة السياسية الواقعية تُفرغها من مضمونها حين لا تُرفق برؤية متكاملة لتأهيل الشباب وتمكينهم فكرياً وتنظيمياً. وأضاف أن “الريع الانتخابي، مهما تلون بشعارات جميلة، يظل ريعاً”، وأن المال العمومي حين يُصرف دون مردودية سياسية واضحة، يتحول إلى شكل جديد من الزبونية وتدوير الامتيازات.
الباحث لم يُخفِ قلقه من أن تتحول تجربة الشباب المستقلين إلى مجال جديد للسماسرة الانتخابيين، الذين يجدون في مثل هذه المبادرات فرصاً لتوظيف الوجوه الشابة لأغراض ظرفية. وقال: “ما نحتاجه اليوم ليس لوائح رمزية، بل مشروعاً سياسياً حقيقياً يجعل من الشباب فاعلاً في صناعة القرار لا مجرد ديكور ديمقراطي”.
وفي ختام حديثه لمجلة 24، عبّر طلوع عبدالإله عن موقفه بوضوح قائلاً:
“أنا أؤيد مشاركة الشباب، لكن من داخل الأحزاب، لأن العمل السياسي المؤطر هو الضمانة الوحيدة لاستدامة الديمقراطية. أما تحويل المشاركة إلى مبادرة مستقلة ممولة من المال العام، فهو انزلاق خطير نحو تمييع السياسة وتحويلها إلى سوق للمنافع.
الشباب المغربي لا يحتاج إلى دعم مالي، بل إلى ثقة حقيقية وإلى فضاء سياسي يحتضن كفاءاته لا يستغلها”.
وختم قائلاً بنبرة نقدية عميقة:
“لقد أثبتت التجربة أن من يستفيد من مثل هذه البرامج ليس الشباب، بل السماسرة، وأن الريع، مهما تلون بألوان الإصلاح، يظل ريعاً. وحدها الأحزاب القوية، المهيكلة، القادرة على تأطير الشباب، هي التي تملك مفاتيح التغيير الديمقراطي الحقيقي.”

