البرلمانيون يدقون ناقوس الخطر: الفساد الكبير في الصفقات العمومية يهدد المال العام
أكد عدد من البرلمانيين، خلال اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، على ضرورة محاربة الفساد الكبير الذي ينخر الصفقات العمومية، مطالبين بتفعيل آليات المراقبة والمساءلة، وتعزيز الشفافية في تدبير المال العام، مؤكدين أن محاربة الفساد لا يمكن أن تظل مجرد شعارات أو إجراءات جزئية، بل تتطلب إرادة سياسية حقيقية وإصلاحات تشريعية ومؤسساتية شاملة.
وفي هذا الإطار، دعا النائب عن الفريق الاستقلالي، نور الدين مضيان، إلى وضع كاميرات مراقبة داخل مكاتب الموظفين بالإدارات العمومية، من أجل تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد الإداري والمالي. واعتبر أن “الرشوة الصغيرة” التي تتراوح بين 10 و30 درهما لا يمكن تصنيفها كرشوة، مشيرا إلى أن التركيز يجب أن ينصب على الصفقات الكبرى التي تشهد مبالغ ضخمة وتنسيقا بين بعض المقاولين لضرب مبدأ المنافسة الشريفة.
وأوضح مضيان أن الفساد الحقيقي يكمن في منح الصفقات بطرق مباشرة بعد دفع رشاوى، داعيا إلى إقرار آليات فعالة لحماية المبلغين عن الفساد حتى لا يُتهموا بتقديم تبليغات كاذبة. كما شدد على ضرورة تفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟” في حق المسؤولين الذين تتضخم ثرواتهم بشكل غير مبرر، متسائلاً عن مصادر ثروات بعض المسؤولين الذين يتقاضون أجورا محدودة ويعيشون في بحبوحة ظاهرة.
من جانبه، وجه النائب عن الفريق الاشتراكي، الحسن لشكر، انتقادات لاذعة للحكومة، متهماً إياها بغياب الإرادة السياسية لمحاربة الفساد منذ توليها المسؤولية. وأشار إلى أن الحكومة “سحبت مشروع قانون الإثراء غير المشروع دون تقديم بديل”، معتبراً أن ذلك يشكل “تراجعاً خطيراً عن مكتسبات سابقة في مجال تخليق الحياة العامة”.
وانتقد لشكر أيضاً تجميد اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد، الآلية المكلفة بتتبع وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للنزاهة، مؤكداً أنها “لم تعقد أي اجتماع منذ أكثر من أربع سنوات”، متسائلاً: “كيف يمكن الحديث عن محاربة الفساد والآلية الأساسية للتتبع والمراقبة معطلة؟”.
وفي السياق ذاته، اعتبرت النائبة عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عائشة الكوط، أن المجتمع المغربي يتعامل بتساهل مقلق مع ظاهرة الرشوة، مشيرة إلى أن بعض الأمثال الشعبية مثل “دهن السير يسير” تعكس هذا القبول الاجتماعي، مما يستدعي – حسب قولها – مقاربة تربوية وتحسيسية منذ النشء.
وأضافت الكوط أن محاربة الفساد تتطلب رؤية شمولية تشمل التعليم والإعلام والمجتمع المدني، منتقدة ما وصفته بـ“التضييق” على الجمعيات المدنية في المقتضيات الجديدة للمسطرة الجنائية، والتي “منعت الجمعيات من التبليغ عن حالات الفساد”، في تناقض مع مبدأ إشراك المجتمع المدني في تخليق الحياة العامة.
كما دعت إلى تعزيز حماية المبلغين، مشيرة إلى أن القانون الحالي يوفر حماية “شكلية فقط”، مؤكدة على ضرورة تطوير الإطار القانوني لضمان شعورهم بالأمان الحقيقي وحماية مصالحهم من أي انتقام أو تضييق.
وختمت الكوط مداخلتها بالتنبيه إلى أن الصفقات العمومية تظل “البؤرة الأخطر للفساد”، مؤكدة أن “أي شركة لا يمكنها الحصول على صفقة دون دفع مقابل تحت الطاولة”، وهو ما ينعكس سلباً على جودة المشاريع المنجزة، لأن المقاولين – حسب قولها – “يعوضون الرشاوى من جيوب المواطنين عبر تقليص جودة الأشغال أو حجمها”.

