دار الطالبة بتسلطانت: من ضرورة اجتماعية إلى عبء تدبيري واستغلال سياسي
ابن جرير : هشام ايت قدور
مع مطلع شهر يناير الجاري، عاد موضوع دار الطالبة بتراب جماعة تسلطانت إلى واجهة النقاش العمومي، بعد أن أثارته فعاليات مدنية محلية بالنقد والتحليل، خصوصًا من زاويتي جدوى الاستمرار في المؤسسة وطريقة تسييرها، في سياق يعرف فيه قطاع التعليم بالجماعة تحولات بنيوية عميقة.
أولًا: التأسيس في سياق الخصاص (2008)
تأسست دار الطالبة سنة 2008 بمنطقة سيدي موسى، قرب إعداديتي الكندي والشريفية، اعتمادًا على هبات محسنين ودعم المجلس الجماعي لتسلطانت. وقد جاء إحداث هذه المؤسسة في ظرفية كانت فيها الجماعة تعاني خصاصًا حادًا في البنية التحتية التعليمية، خاصة على مستوى السلكين الإعدادي والثانوي، مع تشتت الدواوير وبعد المؤسسات التعليمية.
في هذا السياق، أوكل تدبير المؤسسة إلى جمعية تسلطانت للتنمية والرياضة والثقافة، التي تولت كذلك تسيير أسطول النقل المدرسي، في إطار شراكة مع المجلس الجماعي، هدفها المركزي محاربة الهدر المدرسي في صفوف الفتاة القروية.
وبشهادة العديد من الفاعلين الجمعويين، فقد حققت المؤسسة في سنواتها الأولى نتائج إيجابية ملموسة، سواء من حيث الاستقرار الدراسي للنزيلات أو تقليص نسب الانقطاع، بفضل طاقم إداري وتربوي ترك أثرًا إيجابيًا في ذاكرة التلميذات.
ثانيًا: التحول البنيوي في الخريطة التعليمية
غير أن السنوات اللاحقة شهدت تحولًا جذريًا في واقع التعليم بتسلطانت، حيث انخرطت المجالس الجماعية المتعاقبة، بشراكة مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والوزارة الوصية، في استثمار يفوق 7 ملايير سنتيم في قطاع التعليم.
وقد تُوّج هذا المسار بـ:
– إحداث عدة إعداديات جديدة (زمران، لكواسم، كوكو)،
واخيرا إعدادية زرابا خلال الموسم الدراسي الحالي .
– تعزيز العرض الثانوي (الثانوية التأهيلية بلكواسم)،
– تعميم المدارس الابتدائية والتعليم الأولي بكل الدواوير تقريبًا،
– توفير أسطول يقارب 20 حافلة للنقل المدرسي، يغطي جل تراب الجماعة، حسب تصريح رئيس الجمعية نفسه.
هذا الواقع الجديد يطرح سؤالًا جوهريًا:
هل ما زالت دار الطالبة ضرورة موضوعية في ظل هذا الانتشار الواسع للمؤسسات التعليمية وقربها من المتعلمين؟
ثالثًا: كلفة مالية دون مبرر اجتماعي واضح
تستفيد دار الطالبة من دعم سنوي يقارب 80 مليون سنتيم مخصص فقط للتسيير (أجور، مصاريف بسيطة)، إضافة إلى حوالي 120 مليون سنتيم للشؤون الاجتماعية المرتبطة بالجمعية. في حين تتكفل المديرية الإقليمية للتربية الوطنية بالإطعام.
وترى فعاليات مدنية أن هذه الاعتمادات كان يمكن توجيهها نحو:
– بناء إعداديات أو ثانويات جديدة،
– تحسين السلامة الطرقية للمتمدرسين،
– أو دعم النقل المدرسي بدل الإيواء.
خاصة وأن أغلب التلميذات أصبحن يتابعن دراستهن قرب مقرات سكناهن، ما يجعل الإقامة غير مبررة.
رابعًا: اختلالات في التسيير وتراجع الإشعاع
تزامن هذا التحول البنيوي مع تراجع ملحوظ في أداء المؤسسة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تولي المكتب الحالي للجمعية، حيث سجلت عدة اختلالات، من بينها:
-؛اختفاء سيارة تابعة لدار الطالبة لمدة طويلة مع استمرار الاستفادة من الكازوال،
– استغلال المؤسسة في أنشطة لا تدخل ضمن وظيفتها التربوية،
– تعيين مديرة دون احترام مساطر الانتقاء،
– تعيين مقربين لاهداف انتخابية
– تغيير وظيفة مرافق مخصصة للنزيلات،
– اقتناء تجهيزات دون طلب عروض،
– تأخر صرف أجور العاملين، ما أدى إلى احتجاجات،
– تراجع نتائج النزيلات دراسيًا مقارنة بالمراحل السابقة.
– انتشار بعض الأمراض المعدية بين النزيلات في اوقات مضت .
كما عرفت الجمعية استقالات جماعية سنة 2022، بسبب ما وصفه المستقيلون بـ”القرارات الانفرادية” ورفض عقد جمع عام. كما تم إقصاء العديد من الاعضاء والانفراد بالقرار من طرف أغلبية نسبية تعمل تحت امرة الرئيس على مستوى المكتب الجديد ، اتعود نفس المشاكل اليوم بعد عقد جمع عام لتجديد المكتب قبل ثلاثة أشهر خلت . حيث ان البعد السياسي والولاء يظلان العامل المباشر لاستقرار الجمعية .
خامسًا: من وظيفة اجتماعية إلى أداة انتخابية
الأخطر – حسب تعبير عدد من الفاعلين – هو تحول دار الطالبة من مؤسسة لمحاربة الهدر المدرسي إلى أداة للاستغلال السياسي والانتخابي، من خلال:
– التحكم في قاعدة اجتماعية واسعة من الأسر،
– توظيف الشراكات والدعم العمومي لتعزيز النفوذ،
– ازدواجية طلب التمويل من الجماعة والمبادرة الوطنية لنفس المشاريع،
– ربط الخدمات الاجتماعية بولاءات انتخابية محتملة.
وهو ما اعتبره المجتمع المدني انحرافًا خطيرًا عن الهدف الأصلي للمؤسسة.
سادسًا: نحو إعادة التفكير في النموذج
أمام هذا الوضع، تتعالى الأصوات المطالبة بـ:
إعادة النظر في الشراكة بين الجماعة والجمعية،
إخضاع دار الطالبة لتقييم شامل وجدّي،
إما إعادة توظيفها في خدمة اجتماعية/تربوية جديدة،
أو إسناد تدبيرها لجهة محايدة تضمن الشفافية والحياد مشركة محلية .
أو إنهاء الدعم العمومي في ظل انتفاء المبرر الاجتماعي.
خاتمة
لقد تأسست دار الطالبة بتسلطانت في زمن الخصاص، وأدت دورها في لحظة تاريخية محددة. غير أن التحولات البنيوية التي عرفها قطاع التعليم بالجماعة جعلت استمرارها بصيغتها الحالية غير ذي جدوى، بل وأدخلها – بفعل سوء التسيير – في دائرة الشبهة والاستغلال.
وعليه، فإن جمعية تسلطانت للتنمية والرياضة والثقافة لم تعد ضرورة تنموية بقدر ما أصبحت موضوع مساءلة، في انتظار قرار شجاع يربط الدعم العمومي بالنجاعة، ويضع حدًا لأي تداخل بين الاجتماعي والانتخابي.

