جوليان ناجسلمان.. المدرب اليافع الذي تجاوز سنه..

+ = -

بقلم : زيد بن ناصر شقير

“ثلاثون بالمائة من التدريب تكتيك، أما السبعون المتبقية فهي كفاءة ¨{جوليان ناغسلمان}
هذه الجملة تختصر طريقا طويلاً نحو فهم فلسفة الشاب في عالم التدريب جوليان ناغسلمان، المتمدرس على يد النظام الألماني الحكيم، هوفينهايم كان فريق البداية، وقبل ذلك مر جوليان بتكوين الديبلومات المتعارف عليها، لا يشكّل هذا اختلافاً فالكلّ مجبر على ذلك، الطّفرة في قصة بدايته تشكّلت عند زيارته لتوماس توخيل، الاسم الشّهير بأسلوبه الخاصّ في دورتموند.

الشّخصية أو كما يحب ناجلسمان أن يطلق عليها الكفاءة هي أهم شيء في نظام تسييره لغرفة الملابس، وعلى الرّغم من صغر سنه يقوم جوليان بعمل تظهر عليه خبرة رجل تجاوز العشرين سنةً منذ توليه قيادة دفة مجموعة من الفرق. ميني مورينهو أو MINI MORINHO هو لقب أطلقه تيم ويزه على جوليان، لتشابه أحداث قصته مع ما حدث مع جوزيه سابقاً، جوزيه لم يمارس اللعبة من قبل، على عكس شخصيته التي ظهرت على أسلوبه في اللعب، كذلك ناجلسمان بعد مسيرة من الإصابات المتعبة فشل في الوصول إلى حلمه لتساهم هذه المنعرجات في تحويله إلى عالم التدريب.

تعود الانطلاقة إلى موسم 2016/2017، العام الأول في الأضواء بالنسبة لجوليان الذي أظهر فريقا متماسكا دفاعيا، متنوعاً هجوميا، ينهج أسلوبا خاصّا به، تلك السنة أصبح ناجلسمان حديث الخبراء في ألمانيا، بل وأوروبا عامّة، بعد الأداء التكتيكيّ المميز الذي شاهده الجميع، لتتناقل الألسن حول العالم بعدها اسم المدرب الشّاب على نطاق واسع، في عقل ناجلسمان لا مجال للصدفة فيما يحدث، يعود كل شيء إلى التّناسخ الشديد بين طرق اللعب والنظام المنتهج في التدريب، يدعو الأمر إلى الدهشة وإلى جنون المعرفة في آن واحد، للاقتراب أكثر من عقلية الرّجل ورؤيته التكتيكية.

يرى أحد كاتبي المقالات عن المدربين Robert Fahy أن أحد السبل المعتمدة في تدريبات هوفينهايم سابقاً، والذي يطلق عليه اسم footbonaut لا يستخدمه أحد في ألمانيا إلا ناجلسمان حالياً، وبوروسيا دورتموند توماس توخيل سابقا، وهذا أحد أسباب صلابة الفريق عند الاستحواذ على الكرة والانطلاق بها نحو الثلث الأخير، هذا النظام ذو المساحة الضيقة على شكل مربّع يستخدم للرفع من جودة تمريرات اللاّعبين في المساحات الضّيقة، وتحسين مهارة الرؤية داخل الملعب، دون إغفال نقطة مهمّة وهي الاستلام تحت أصعب الظروف، والتسليم إن تطلب الأمر من لمسة واحدة، ويستخدم أيضا لإجادة السيطرة على الكرة وعلى اللعبة كاملة، ومهاجمة منطقة محددة حسب جودة الخصم وجودة لاعبيه.

يشاهد ناجلسمان كل هذا عبر الكاميرات المنتشرة على أنحاء ملعب التّدريبات، واحدة على الهدف، واثنتين موزعتين على المركز لتسجيل أكبر قدر ممكن من تدريبات المساحات الضيقة والاستحواذ على الكرة، والتنويعات الهجومية، والتدريبات على الجوانب البدنية وعلى التحولات السريعة، لدراسة أخطاء لاعبيه وإيجاد الخلل ونقاط ضعف الفريق، على الجهة المعاكسة يظهر كل شيء، لا اختلاف بين التدريب والأداء على رقعة الميدان، فور مشاهدتك لشكل الفريق في مباراة ما سيبدو لك هوفينهايم خليطاً من مجموعة من الأفكار المتنوعة هجوما ودفاعاً، سواءً عند استلامهم للكرة أو الدفاع لاستعادتها، كالحرباء في تغير لونها تماماً.

الأرقام لا تفسّر كل شيء، لكنها سبيل أو حجّة لجعل المشاهد يعرف قليلاً عن شكل الفريق التّكتيكي، 3-5-2 أو 4-3-3 حسب نظام كل خصم، وعلى حسب كل جزئية هي على ما يبدو شاكلة البداية عن جوليان، يعطي هذا رؤية سطحية لكن الرؤية المتعمقة تتوضح فور انطلاق الصّافرة. التنسيق هي الكلمة الأولى في موسوعة ناجلسمان التكتيكية، الترابط والتحرك والضغط وعكس الهجوم أو الإستحواذ البطيء أو تطبيق مصيدة التسلل أو الدفاع دون كرة كلها بحاجة إلى تنسيق العملية من جميع الأطراف دون استثناء، يستمد ناجلسمان كل هذا من أساتذته السّابقين ومن أساليبه المخترعة، ولتطبيق كل هذا يحتاج الألماني جودة معينة من حارس المرمى وحتى المهاجم رأس الحربة، وكل التحركات والإرتجالات من هؤلاء يتم حسابها حساباً دقيقا أثناء الإعداد.

في خطته 3-5-2 أو 3-4-3 يعتمد جوليان على الانطلاقة من حارس المرمى الواجب عليه ان يرسل تمريرات دقيقة وان يفك الضغط بذكاء حال وصول الكرة إليه أثناء ضغط الخصوم، الظهير لا يستثنى من هذه العملية، والمطلوب منه أن يجيد اللعب دون كرة وأن ينطلق على طول الخط لتوسيع الملعب على حسب كل مرحلة، الوسط هو المكان الأنسب في عقل ناجلسمان للاستحواذ على الكرة والسيطرة على اللعب، والتقدم للضغط دون كرة، التوازن هو السبيل لإكمال عمليات الفريق بطريقة ناجحة، على سبيل المثال، عند تواجد الكرة على الطرف اليمين سيشكل المهاجم المنزاح إلى الطرف عقبة أمام عودة حامل الكرة إلى الخلف، في تلك الأثناء يتريث لاعب خط الوسط على اليمين لإغلاق زوايا التمرير، كل هذا يمنح الظهير فرصة لقراءة اللعبة كاملة لاتخاذ القرار الصّحيح، وخلفه يتحول لاعبوا الدّفاع إلى أربعة في رقابة رجل لرجل لتنسيق عملهم مع الضغط حسب جهة الكرة.

على النّاحية الهجومية يبدو للخبراء أن هناك تشابها بين جوليان وغوارديولا، الإسباني المطوّر لأسلوب اللعب الموضعي، الألماني يبني هجماته بطريقة مشابهة لهذا الأسلوب المستمد من المدرسة الهولندية العتيقة في هذا الباب، كل جزء من الملعب مهم، هذه إحدى قواعد اللعب الموضعي الذي تبناه ناجلسمان في هوفينهايم أثناء فترته هناك، يظهر ذلك بوضوح للعيان. من شاهد الفريق الألماني سابقاً ستسهل عليه مأمورية فهم وضعياته الهجومية المعتمدة على التسلسل وهذه إحدى كلمات موسوعة ناغسلمان، عند انطلاق البناء من الخلف وصولا إلى الثلث الثاني، يطلب جوليان من الظهيرين توسيع نطاق اللعبة، اتباعا للتسلسلات أثناء الصعود بالكرة.

يحب جوليان الاختراق من المسارات الشّاغرة ناحية العمق بلمسات غالبيتها عمودية ولا تتحول إلى لمسات عرضية إلا عند مواجهة الفرق المتكتلة في الخلف، لذلك من المهم له أن يجد لاعباً ثالثاً متحرّرا في خط الوسط دائما، وأن يجيد ثنائي الوسط المتخلف قليلا عن المهاجمين اللعب من لمسة واحدة ذكية ثم التحرك بعدها في المساحة أو انصافها، هذه الأخيرة مطالب بها الفريق كله حسب توزيع اللعب بالكرة.

“أنا أعمل مثل الخباز أخلط الأشياء وأزجها في الفرن وأرى ما إذا كان طعمها جيدًا”
جوليان ناغسلمان

هذه النظّرة نحو نفسه وهو رجل في الثّلاثين مثيرة للإعجاب، وتدفعك للفضول لمشاهدته عن كثب في رحلته الجديدة مع لايبزيغ، نحن أمام رجل ذو فكر تكتيكي يافع، وعلى الأقل يستحق أن نضيع ساعة ونصف مرات متكررة لمتابعة كرة القدم الجميلة التي يقدمها كل مباراة.

طباعة المقال

الوسم


أترك تعليق
من مكتبة الصور