رحلة كتاب صديقي الفيسبوكي في زمن إكشوان إكنوان

+ = -

بقلم:أزلو محمد
خلال رحلتي اليومية الفيسبوكية والتي دأبت على امتطاء فرسها الأزرق، صدمت ذات صباح بتدوينة لأحد الأصدقاء المثقفين، والذي يبث من خلالها شكواه ويتحسر على تجربته في عالم الكتاب، حيث حلم صديقي الفيسبوكي ذات مرة، بتلخيص ملكاته الفكرية الأدبية في صفحات كتاب،يكون خلاصة لما يملك من أدبيات السرد والتأليف،وفعلا تأتى له حلمه السرمدي بعد سهر ليال،كان خلالها القلم والقرطاس ونيسه،وسافر خلالها عبر الزمان وزار جيل أفلاطون وسقراط وابن رشد، ونجح أخيرا في تنزيل إبداعاته الفكرية إلى صفحات ورقية اختزلت جهد السهر والحمى.
بعد فترة التنزيل والتخزيل،كان على صديقي الفيسبوكي،أن يدخل مرحلة الانتشار،فقام بطبع كتابه،ليكتمل حلمه القديم في أن ينظم لزمرة الكتاب والمؤلفين والمثقفين
أنفق صديقي الفيسبوكي خلال مرحلة الطبع، كل ما ادخره خلال سنوات طوال،وكان أمله أن يعوض خسائره المادية بعد ابتياع نسخ كتابه، وبعدها قد تيسر له الأمور لتأليف وكتابة كتب أخرى،خاصة أن ملكاته الفكرية ما زالت تخزن في جعبتها الكثير،من الحكايا والقصص والمعرفة، كان الحلم كبيرا والأمل في الغد المشرق أكبر وأعظم.
لم تجري سفينة صديقي الفيسبوكي بما اشتهاه، فقد بدأت صخور اليأس تتراص في طريقه، في البداية كانت صدمته قوية حين وجد أن أكثر من نصف مجهوده سيرحل عبر رياح الانتهازية لشركة التوزيع التي اختار التعاقد معها، فقد فرضت عليه أن يكون هامش الربح لها أكبر من ربحه،وبأن الفتات سيكون من حظه إذا وفقت الشركة في بيع كل النسخ.

ولأن صديقي الفيسبوكي كان في موضع الضعيف،أمام تمساح قوي يلتهم الأخضر ويترك اليابس للمستضعفين،رضخ لشروط الشركة وترك لهم حرية توزيع نسخه، ممنيا النفس بأن المهم هو انتشار كتابه،وإذا نجح فقط في إسترجاع ما أتفقه عليه من مال،فسيكون ذلك مكسبا نفسيا، على أمل الكسب في قادم الأيام مع روايات أخرى حين يكون إسمه طبع بذهب رفقة جهابذة الكتاب والمؤلفين،وحينها ستكون الفرصة مواتية له لفرض شروطه على شركات التوزيع.
مضت سنة كاملة على طبع الكتاب،فكان على صديقي الفيسبوكي زيارة شركة التوزيع،لمعرفة سبب تأخر الشركة في مهاتفته ومحاسبته، فصدم بأن ثلث النسخ فقط هي التي بيعت، وبأنهم لن يتكفلوا بالباقي،وعليه أخذ الباقي منها وبيعها على طريقته الخاصة
فحاسبته وأخذت نصيبها السمين،وعاد لمنزله خائبا رفقة نسخه التي أصبحت الٱن مغبرة مكفهرة،بسبب وجودها طويلا بين رفوف المكتبات.
لعن صديقي الفيسبوكي الهنيهة التي فكر فيها بأن ينظم لزمرة الكتاب،وعلم بأنه في زمن التفاهة لن يكون للعلم والمعرفة مكان تحت شمسه الحارقة، فزمن “اكنوان اكشوان” تاهت بوصلة القراءة فيه،وعوضت بعدسات لكاميرات مجنونة وأناس تافهون.
تفتقت عبقرية صديقي بأن يخوض تجربة أخرى في التوزيع والنشر،فقرر تدوين كلمات وعبارات “تترجم رحلته الفاشلة مع كتابه”في حائطه الفيسبوكي الأزرق،مناشدا أن يكون مرتادوه أكثر ثقافة ووعيا من مواطني عالمه الواقعي الرمادي.
هنا كان للتجربة مسار آخر،فمباشرة بعد نشر التدوينة،انهالت عليها تعاليق وردود مشجعة متضامنة مع صديقي الفيسبوكي وكتابه الرحالة*، فهذا يريد ابتياع نسخة وذاك يود نسختين وٱخر يطالب بعشرة نسخ، فتنفس خلالها صاحب التجربة الصعداء،وعلم أنه رغم قتامة الجو،لابد للشمس أن تسطع،وبأنه رغم امتلاء الفضاء الأزرق بالخزعبلات،فهناك وراء بعض جدرانه يختفي المثقفون والواعون، يظهرون فقط كقطرات المطر القليلة في السنوات العجاف،لتعطي الأمل في النفوس بأن القادم أفضل،وبأن الغيث سيهطل لا محالة في قادم الأيام والأزمان،وبأن إحياء الأنفس التواقة للمعرفة والقراءة في طريقها لمحاربة زمن التفاهة.
هكذا انتهت رحلتي الفضائية الفيسبوكية،والتي توقف قطارها عند صفحة يتيمة، لكنني تأكدت خلال هذه الرحلة القصيرة،بأننا فعلا نعيش مرحلة التفاهة،واندثار حب القراءة،حيث تم هجر قراءة الكتاب،وتم تحويله لتزيين رفوف بعض المنازل،وفقط للإفتخار بأن خزائننا مملوءة بالكتب التي نجهل محتوياتها، معظمنا هاجر سرا أو علانية عالم المعرفة والقراءة،وامتطى قاربا نحو عالم التفاهة،فقبعنا في ذاك العالم وشاركناه تفاهته تلك،بل منا من حاول أن يكون بطلا فيه، وأن يتوسم وسام البطولة الوهمية والشهرة الزائفة،فكان محط اهتمام التائهين والمتربصين والشامتين.
سارت دروب التفاهة معبدة للشهرة ومحط عدسات الإعلام،ودروب الثقافة والعلم والمعرفة كلها حفر ومطبات وصخور اسمنتية من اللامبلاة.
مجتمعنا الحالي أضاع سيف المعرفة،وعدله بسكاكين الرداءة والتفاهة، منح أوسمة من ذهب للرويبضة،وجبال من اللاهتمام للعالم والأديب والمفكر.
معاناة صديقي الفيسبوكي وكتابه،ليست إلا نقطة ماء في بحر لجي،تتلاطم أمواجه سفن القهر والسلب اليأس،فأصبح هذا البحر ميناءا ترسوا فيه مراكب المثقفين والمبدعين،لقد ضاعت البوصلة وتاه المثقفون وسط سوق النخاسة.
فهل سنستيقظ يوما من سباتنا،ونعيد لزماننا توهجه المعرفي؟؟؟؟
هل سنلتفت هنيهة لكتب أهملت ذاخل رفوف مكاتبنا؟
هل سنعيد للزمان العربي بوصلته التي تاهت لحظة في بحر الظلمات؟
هل …هل…هل…
ستبقى هذه الهالات تسبح في بحر هذا المقال المتواضع،حتى تستعاد للكتاب قيمته وهيبته.
على الهامش:
*:إخترت تسمية الكتاب بالرحالة لما عاشه في رحلته بين الرفوف وعودته لمنزل صديقي
من رحلة شاقة متعبة.

طباعة المقال

الوسم


أترك تعليق
من مكتبة الصور