الحريات العامة وإشكالية التنزيل الواقعي

+ = -

إن ما يلوح به الأفق يقتضي منا أن نقف وقفة تأمللما يتخبط فيه المجتمع من مشاكل ناتجة عن غياب تجليات التدبير العقلاني لقطاعات حيوية، وتقتضي منا هذه الوقفة أن نربط السابق باللاحق دون أن نغفل ذلك الجانب الخفي من البئر؛ فنحن جزء لا يتجزأ من عالم ممتد تتراص وحداته لتكون كُلاًّ أشبه بذلك البنيان الذي إذا اختل بعضه لا محالة سيؤثر – سواء بشكل أو بآخر – في بقيته. ومن ثمة نقول:
إن ما يتخبط فيه مجتمعنا اليوم لا يختلف كثيرا عن مجريات وأحداث الأمس، ولنا أن نتوقف عند موضوع الحريات العامة على سبيل المثال، كونه يتأطر ضمن مجال الحقوق الذي أسست بموجبه مجموعة من الهيئات والمؤسسات والمنظمات التي ترفع شعار ضمان حقوق الفرد والجماعة دوليا ووطنيا، لكن هل يكفي أن نؤسس دون أن نفعل؟!؛فحال الحريات العامة على مستوى الواقع تعرف تراجعا كبيرا تدريجيا، إذ يتم إجهاض الحريات العامة واقعيا في حين أن “الخطابات السياسوية” تمارس نوعا من النفاق المؤدلج؟، الذي يزيف الحقائق، ويطبعها بالبهتان!!، ألا يدل هذا الفعل عن ضعف، هذا إن لم نقل انعدام ثقافة الحوار لدى من تُوكَلُ إليهم صلاحية تدبير قطاعات تفرض التعقل وفتح باب الحوار مع المواطنين بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم؟، شريطة أن يوازي هذا الحوار الفعل الإجرائي لأنه يشكل الغاية، بدل اعتماد سياسة حصار الحريات العامة وإقبارها بواسطة العنف.
إن إجهاض الحريات العامة لم يكن في يوم من الأيام حلا سحريا يعود بالنفع على المجتمع، وتماشيا مع هذا الطرح نتساءل باستغراب ألم يستفد دعاة هذا الفعل المقيت ( إجهاض الحريات ) من مصير طغاة الأمم الذين جعلهم التاريخ في خبر كان؟، أم تراهم لم يطلعوا لكي يفقهوا مصيرهم هم أيضا؟!!
أسئلة كثيرة تطرح نفسها ونحن أمام واقع مضطرب المقاييس؛ ففي الوقت الذي يُدَرِّس فيه الأساتذة أسس المواطنة، ومبادئ المساواة والحرية والعدالة والتمتع بالحقوق مقابل أداء الواجبات…وغيرها من الموضوعات التي تشغل صفحات المقررات والبرامج التربوية…؛ في سعي إلى التبجح بديمقراطية لا تتعدى الأوراق، في الآن نفسه يتلقى الأساتذة ضربات موجعة على مستوى الكرامة والحرية والحقوق وكل تلك الشعارات التي عملوا على زرعها في دواخل الجيل الصاعد، الأمر الذي يضعنا أمام ازدواجية وتناقض صارخ بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ويدفعنا إلى التساؤل حول جدوى ما يدرس؟ إن كان مجرد مساحيق نواري بها سوءات التدبير العشوائي والارتجالي لقطاعات حساسة.
لقد صار الوضع الآني، الذي يطبعه ” اللا استقرار ” خاصة على المستوى الداخلي؛ أمام مسلسل الاضطهاد المتزايد للحقوق، وفي مقدمتها “الحريات العامة”، يفرض علينا دق ناقوس الخطر الذي يتهدد الوطن واستقراره الداخلي وكذا الخارجي، خاصة وأن الاتفاقيات والشراكات الدولية والوطنية التي يتم توقيعها في إطار ضمان حقوق الإنسان لا يتم الالتزام بها على مستوى التنزيل، وهذا ما ينم عنه الشارع الذي تتعالى فيه صيحات المنددين باضطهاد الحقوق، ولعل ما يتعرض له الأساتذة من مظاهر التعنيف بمختلف أشكاله النفسي والجسدي خير دليل على أن مسألة الحريات في بلدنا يجب أن تعاد مراجعتها؛ كونها لم تصل بعد إلى تلك الدرجة المرجوة، ولن نتساءل طبعا عن السبب الرئيس لما آلت إليه الأوضاع؛ لأن الكل وبدون استثناء يتحمل المسؤوليةالجسيمة صوب ما يحدث وسيحدث، ولا عذر لأي منا بأن يجد لنفسه مبررا يتحاشى به محاسبة التاريخ له مستقبلا.
يجب أن نكون واعين تمام الوعي بأن الحصار الكبير لهامش الحريات دون مؤشرات واضحة تنم عن الرغبة في التراجع عن مجموعة من النوايا المبيتة التي ترمي إلى الإجهاز على الحقوق بشكل تدرجي، على عكس مما نشاهده في الدول التي تحترم حقوق الإنسان، هو حصار يكرس لعقدة السلطوية لدى المسؤولين. فهم يمنحون أنفسهم الوصاية على الحريات العامة والخاصة دون سند قانوني؛ لا لشيء سوى لأنها ترفع شعار ” الحق في مقابل أداء الواجب “، وهذهالعقدة لن تزيد إلا حدة في توتر الأوضاع والأشكال المنددة بإقبار الحريات بصفة خاصة والحقوق بصفة عامة. لذا لا بديل من تجاوز سياسة الشعارات إلى مستوى التنزيل.

طباعة المقال

الوسم


أترك تعليق
من مكتبة الصور