في قبضة الشركة متعددة الخدمات: أزمة ماء تكشف أعطاب الحكامة… ومدينة تُصارع العطش وسط صمتٍ رسمي وارتهانٍ إداري
بقلم: الدكتور عبد الإله طلوع – باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب
تعيش مدينة سطات اليوم واحدة من أكثر أزماتها تعقيداً وإيلاماً، أزمة لا تتعلق بحادث طارئ أو اختلال تقني محدود، بل بمنظومة تدبيرية هشّة تُدار بعقلية إدارية متجاوزة، جعلت من الماء –وهو أبسط مقومات الحياة– موضوعاً للتوجس اليومي، ومصدراً لمشاعر الغضب والإحباط الجماعي، إن ما يحدث في سطات ليس مجرد مشكل انقطاع أو ضعف صبيب، بل هو عنوان واضح على أعطاب عميقة في الحكامة، وعلى فشل بنيوي في إدارة المرفق العمومي الحيوي الذي ارتبط وجوده بكرامة الإنسان وأمنه المعيشي.
منذ سنة 2022، دخلت أزمة الماء بمدينة سطات مرحلة جديدة من التعقيد، حيث بدأت تظهر مؤشرات انهيار تدريجي في القدرة الاستباقية للشركة متعددة الخدمات، وغياب رؤية واضحة للتدخل العاجل أو الإصلاح المهيكل. ومع كل شهر يمر، يتأكد أن الأمر لا يتعلق بنقص ظرفي، بل بانحدار متواصل في أداء مؤسسة يفترض أن تكون نموذجاً في الفعالية والمسؤولية.
لقد تحوّل العطش إلى معاناة يومية تطرق أبواب البيوت، وتغزو تفاصيل الحياة البسيطة للسكان، وتفرز حسّاً عاماً بأن المدينة تُدار بمنطق اللامبالاة.
كان يُفترض أن يُشكّل تعيين مديرة جديدة للفرع الإقليمي للشركة فرصة لإحداث قطيعة مع سنوات طويلة من الارتباك، غير أن الواقع أثبت عكس ذلك تماماً، سنة كاملة من القيادة الجديدة لم تنتج تحولاً ملموساً، ولم تُسجّل أي نتائج تُذكَر تبرّر التفاؤل الذي رافق مرحلة التعيين، بقيت الشبكات على حالها: مهترئة، متآكلة، تُصلَّح بترقيعات قصيرة المدى، وكأن الأمر يتعلق ببناية قديمة تُرمّم دون هندسة أو تخطيط.
أما التواصل مع السكان، فهو بدوره بقي شكلياً، لا يتجاوز بيانات باردة لا تلامس حجم الأزمة ولا تنزل إلى أرض الواقع.
الأدهى من ذلك أن الشركة قدّمت وعوداً رسمية موثقة في محضر يحمل توقيعات وتعهدات محددة، لكنها بقيت كلها حبراً على ورق. لم يُنفّذ منها شيء، ولم يُفعَّل أي التزام، ولم تُقدّم الشركة تفسيراً مقنعاً أو اعتذاراً محترماً.
هذا السلوك يكشف بوضوح غياب الرقابة الفعالة، وانهيار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعاظم منطق الإفلات الإداري من المساءلة. كيف يمكن لمدينة كاملة أن تعيش على وقع الانقطاعات المتكررة، وصوت السلطة الوصية صامت، وكأن الأمر لا يعنيها؟
في أحياء عدة من سطات، يتحول الحصول على الماء إلى معركة يومية:
صبيب ضعيف لا يخدم حاجيات الأسر، انقطاعات طويلة تمتد ساعات، وعودة مفاجئة تُربك حياة المواطنين وتزيد من معاناتهم. الأسر الهشة تُعاني أكثر: أطفال يذهبون إلى المدرسة دون ماء، أسر تقضي الليل في الانتظار، نساء يضطررن لتخزين ما تيسّر من قطرات خوفاً من انقطاع غير معلن.
هذه ليست تفاصيل عابرة، بل هي تجسيد يومي لمدينة فقدت الثقة في المؤسسة التي تتحكم في أحد حقوقها الأساسية.
الشركة متعددة الخدمات تتصرف بمنطق احتكاري مريح، وكأنها فوق المساءلة، لا مبادرة جريئة، لا رؤية واضحة، لا خطط استثمارية تُواكب حجم الأزمة، فقط ردود فعل متأخرة، وتحركات موسمية لا ترقى إلى مستوى الأزمة.
إن ضعف البنية التحتية، وغياب استراتيجية استباقية، واستمرار الترقيع، كلها عناصر تؤكد أن المدينة تُدار بمنطق إطفاء الحرائق وليس بمنطق البناء والاستشراف.
ولأن الأزمات تكشف دائماً أعطاب الحكامة، فإن أزمة الماء في سطات أظهرت هشاشة التنسيق بين الشركة والسلطات الوصية، وفضحت ضعف المتابعة والمراقبة، وأبرزت الحاجة الملحّة لإعادة التفكير في نموذج تدبير هذا القطاع.
فالمرفق العمومي لا يمكن أن يُدار بالصدفة أو بالمزاج، بل يحتاج إلى رؤية واضحة، وإلى جرأة في القرار، وإلى مسؤولين قادرين على فهم حساسية الأمن المائي.
إن المسؤولية هنا مشتركة، لكنها ليست متساوية، فمن يحتكر التدبير ويتحكم في الشبكات ويتلقى الموارد المالية، عليه أن يتحمل مسؤولية فشله، وأن يقبل الخضوع للمحاسبة. أما الاكتفاء بتبريرات تقنية، فهو شكل من أشكال الهروب الذي لم يعد مقبولاً، فالمواطن اليوم يريد احتراماً، ويريد مرفقاً عمومياً يعمل، ويريد مؤسسات تَصدُق في قولها ووعودها.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد إصلاحات ظرفية، بل خطة إنقاذ حقيقية تُعيد بناء الثقة بين المؤسسة والمواطن، وتضع حداً لسنوات التذبذب. خطة تقوم على:
تجديد الشبكات المتآكلة.
إرساء آليات مراقبة مستقلة لمدى احترام الالتزامات.
مصارحة عمومية تُقدّم للشعب الحقائق كما هي.
مساءلة فعلية لمسؤولي الفشل.
رؤية استثمارية تُخرج المدينة من دائرة الخصاص المزمن.
إن سطات، وهي تُصارع العطش اليومي، لا تطلب المستحيل. كل ما يريده سكانها هو حقّهم الطبيعي في الماء، حقّهم في مرفق عمومي يُدار بكفاءة ومسؤولية، حقّهم في مؤسسات تُحترم وتُحاسب. أما الشركة متعددة الخدمات، فإن فشلها المزمن يُلزمها اليوم بواحد من خيارين: إمّا إصلاح جذري يعيد لها شرعية الوجود… أو الانسحاب من المشهد احتراماً لحق المدينة في الحياة.
وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى سطات مثالاً صارخاً على أن أزمة الماء ليست فقط أزمة موارد… بل أزمة حكامة قبل كل شيء.

