عندما يتحول المعرض إلى مرآة : “معرض الفرس بالجديدة” يكشف سرّ الرابط الأسطوري بين الإنسان و الحصان

عندما يتحول المعرض إلى مرآة : “معرض الفرس بالجديدة” يكشف سرّ الرابط الأسطوري بين الإنسان و الحصان

منذ أولى دوراته عام 2008، إستطاع معرض الفرس بالجديدة أن يبني مكانة فريدة في المشهد الثقافي و الرياضي المغربي، ليس كمناسبة عابرة للعرض و السباق، بل كمسرحٍ حيٍّ لعلاقة إنسانية عميقة مع الفرس، تجمع بين الإعتبار الفني، و الموروث التاريخي، و الحميمية التي تتجاوز اللغة و الزمن.

في الدورة السادسة عشرة، التي تُقام من 30 شتنبر إلى 5 أكتوبر 2025، تحت شعار «العناية بالخيل، رابطة وصل بين ممارسات الفروسية»، يعلن المعرض بشكلٍ جليّ أن الحصان ليس مجرّد جسدٍ يركبه الفارس، بل كائنٌ حيٌّ يحمل في تأنّقه و سلوكه ما يعكس القيم الإنسانية : الصبر، الجمال، الثقة، و الوفاء.

من البدايات، كان الهدف مزدوجاً : ترسيخ الفروسية كرياضة و ممارسة مهنية، و تحويلها إلى تراثٍ ملموس و لامادي يحيا في ذاكرة الشعوب. المعرض لا يكتفي بعروض التبوريدة و المسابقات الدولية لجمال الخيول العربية الأصيلة فحسب، بل يتعداه إلى فضاءات فنية، و محاضرات ثقافية و علمية، و معارض للصناعات الحِرَفية المرتبطة بالفرس من سرجٍ و لجامٍ و ركابٍ، وصولاً إلى المعدات البيطرية.

يقوم الحصان هنا بدور السفير التاريخي، يسترجع معه الزوار قصص الدولة العلوية، قصص القصور، و صفوف الخيالة الملكية، و القصور المخصصة للخيول، التي بُنيت لتعداده أو إيوائه، مما يجعل المعرض أيضاً رحلة عبر التاريخ، يتقاطع فيها الفن، و العِلم، و الثقافة، مع الواقع الإجتماعي و الإقتصادي.

أما البعد الإنساني، فهو ظاهر في الحضور المتوازن بين الصغير و الكبير : الفارس المحترف، المربِّي، الحرفي، المزارع، و حتى الطفل الذي يرى الحصان لأول مرة عن قرب في “قرية الأطفال”، يُتقن المعرض أن يكون مسرحاً لتنشئة عاطفية تجاه الكائن النبيل. فالرابطة بين الإنسان و الفرس في هذا المعرض ليست علاقة خدمة أو إستخلاص نفع فوري، بل هي علاقة إمتنان، تقدير، و إدراك لجمال الخُلق و حسِّ التشارك.

في جلسات الندوات، التي تجمع مؤرخين، و أطباء بيطريين، و خبراء في سلوك الخيول، تتبلور فكرة أن “العناية” ليست رفاهية، بل واجب أخلاقي، علمي و ثقافي، لأن الحصان جزء من بيئة الإنسان، من ثقافته و تراثه. هذه العناية تشمل الصحة الجسدية، النفسية، التدبير البيئي، و حتى الإنسجام بين الممارسات التقليدية و الإبتكار.

في النهاية، معرض الفرس بالجديدة ليس مجرد حدث سنوي؛ إنه مرآة تعكس كيف يرى الإنسان في الحصان صديقاً، رمزاً، مصدر إلهام، و موروثاً يستحق الصون و التجديد. في هذا المعرض، يتعلّم الزائر أن للحصان وجهين : الكائن الحي الذي يتحمل الأذى و الجراح، و الرمز الذي يختلط بما يجعل الإنسان إنساناً : الأخلاق، الجمال، التضحية، و العمل. و الحِرَفيّ، و الفارس، و المربِّي، و الطفل، كلهم يشتركون في نفس الرّعاية، لأن الرابط بين الإنسان و الحصان ليس رابط ملكية أو هيمنة، بل رابط حوار و صداقة تُروى عبر العصور.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *