دموع على سطح الماء
محمد أزلو
لم تكن الأمطار التي هطلت على مدينة آسفي في الأيام الأخيرة مجرد زخات عابرة، بل كانت صفعة موجعة أيقظت ساكنة المدينة على وقع مأساة لم تكن في الحسبان، لكنها لم تكن غريبة أيضًا. في مشهد مؤلم تداخلت فيه صرخات الاستغاثة مع هدير المياه الجارفة، غمرت السيول الشوارع، واقتلعت الأرواح، وخلفت الدمار والأسى… وها هي دموع الأمهات تختلط بمياه الأمطار، على سطح الماء الذي حمل أكثر مما ينبغي.
آسفي، المدينة العريقة المطلة على المحيط، وجدت نفسها فجأة تحت سطوة الماء، لا لأن السماء خانت موعدها، ولكن لأن الأرض لم تكن مستعدة. كم من مرة سأل المواطن: أين البنية التحتية؟ أين مجاري الصرف؟ أين خطط الطوارئ؟ وكم من مرة قوبل السؤال بالصمت… أو بالوعود المؤجلة.
إن ما حدث ليس مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل مرآة تعكس هشاشة منظومتنا العمرانية والتدبيرية. كل عام نعيش الفاجعة نفسها في مدن مختلفة، ومع كل فاجعة نكتشف أن الدرس لم يُفهم بعد. فمن المسؤول؟ من يُحاسب عندما تتحول الأمطار إلى لعنة؟ وعندما تتحول البنية التحتية إلى سراب تنكشف حقيقته عند أول اختبار؟
الفيضان كشف العجز، لكنه أيضًا كشف وجوهًا بطولية من أبناء آسفي: شباب أنقذوا جيرانهم، نساء دعمن بعضهن وسط الظلام، مواطنون وقفوا صفًا واحدًا في وجه المجهول… لكن لا يكفي التضامن الشعبي حين تغيب الرؤية المؤسساتية، ولا تكفي الدموع إذا كان الغد شبيهًا بالأمس.
اليوم، ومع كل قطرة دم أُزهقت، ومع كل بيت تهدم، ومع كل حلم جرفته السيول، علينا أن نطرح السؤال الجوهري: هل الكوارث الطبيعية قدر محتوم؟ أم فشل إداري متكرر؟
ورحم الله الضحايا، وشفى الجرحى، وألهم المدينة الصبر… فالدموع، وإن سالت على سطح الماء، لن تطهر الجرح ما لم يُحاسب المقصر.

