مستوصف تسلطانت… مشروع صحي عالق بين عمود كهربائي والحسابات السياسية !
في الوقت الذي قطعت فيه الدولة المغربية أشواطاً متقدمة في تنزيل ورش إصلاح المنظومة الصحية، وبُنيت فيه مستوصفات ومراكز صحية قروية وحضرية عبر مختلف ربوع المملكة، لا يزال مستوصف تسلطانت بعمالة مراكش كمشروع يجب إعادة بناءه معلّقاً، يلفّه الغموض وتتناسله الروايات المتضاربة، وسط صمت رسمي يثير أكثر من علامة استفهام.
1- رواية “العمود الكهربائي”… تفسير تقني أم شماعة جاهزة؟
خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت تخرج إلى العلن أصوات محسوبة على جهة بعينها، تروّج لكون سبب توقّف الأشغال يعود إلى وجود عمود كهربائي داخل الوعاء العقاري للمستوصف الذي ظل شامخا يقدم خدماته لأكثر أربعة عقود تقريبا ، معتبرة أن إزالته تدخل ضمن اختصاص الشركة الجهوية المتعددة الخدمات (الماء والكهرباء).
غير أن هذا التبرير، الذي يبدو في ظاهره تقنياً، سرعان ما يصطدم بمعطيات أخرى تنسف بساط المصداقية من تحته. فحسب مصادر محلية جد مطلعة، لا يشكّل هذا العمود سوى تفصيل إداري قابل للحل، ولا يرقى إطلاقاً إلى مستوى “العائق القاهر” الذي يبرر تجميد مشروع صحي عمومي، خاصة إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية. انه ليس“جبل من جليد” يتطلب آليات معقدة ومبالغ مالية خيالية لإزالته، فلا يعدو – وفق المصادر نفسها – أن يكون تضخيماً مقصوداً يخفي خلفه أسباباً أعمق، مرتبطة بحسابات سياسية وانتخابية ضيقة والرغبة في الاستفادة المالية .
2- من الخصومة إلى العرقلة… تحوّل مثير في المواقف
المثير في هذا الملف أن أحد المنتخبين النافذين بالجماعة، والذي يُشار إليه محلياً بـ”المنتخب القوي”، كان إلى وقت قريب في مواجهة مفتوحة مع فئة من الساكنة تُقدَّم اليوم باعتبارها “مالكة محتملة للأرض”. تلك المواجهة انتهت حينها إلى شكايات ومساطر قضائية.
غير أن المشهد انقلب رأساً على عقب بعد التحولات التي عرفتها الخريطة الانتخابية. فالشخصية نفسها، التي كانت بالأمس في موقع الخصومة، باتت – بحسب متتبعين – تراهن على تعطيل مشروع المستوصف عبر الدفع ببعض الأشخاص للمطالبة بأحقية الأرض أو بمبلغ مالي فاق مليارين ونصف سنتيم، في محاولة لإعادة ترتيب أوراق النفوذ واستعادة رصيد انتخابي مفقود.
3- مشاريع سكنية تزحف… ومن يدفع الثمن؟
بالتوازي مع تعطيل المستوصف، تشير معطيات متطابقة إلى أن المنتخب ذاته استثمر نفوذه السياسي في توطين عدة مشاريع سكنية بمحاذاة موقع المشروع الصحي، بل وتسعى جهات مرتبطة به – حسب مصادر محلية – إلى إعادة تشكيل واجهة طريق أوريكا على مستوى سيدي موسى، بما يخدم “الواجهة الحقيقية” لمشروع عقاري لم تُكشف بعد كل خباياه ، خاصة ان هناك حقيقة تروج على أن المنتخب القوي الذي يمثل الآلة النافذة للمستثمر المحظوظ قد عقد اتفاقا قانونيا مع بعض ملاك الارض يسهل له شراء اراضيهم وفق شروط قاسية في حالة الرفض ، وهو ما أهله في خطوة أخيرة الى شراء أرض زيتون واقعة خلف المدرسة الابتدائية العتيقة .
والأخطر من ذلك، هو ما يُتداول بخصوص ما يسمى محلياً بـ”الفرمجة” وهي تجمع سكني استراتيجي يسيل لعاب كل المضارب العقاري المشار إليه، التي باتت مهددة بالإزالة لصالح هذا المشروع، إضافة إلى المدرسة الابتدائية العتيقة، التي تمثل ذاكرة تربوية وتاريخية لساكنة تسلطانت، والتي يُشاع أنها بدورها مهددة في إطار الشطر الثاني من المشروع السكني ، خاصة ان هناك حديث يدور حول ضرورة توسعة الطريق لتلتهم نصف المؤسسة .
4- أراضٍ عمومية… أم ملك تعاوني؟
ولا يتوقف الجدل عند هذا الحد، إذ تفيد مصادر عليمة بأن المنتخب القوي بات يروّج لفكرة كون أرض إعداديتي الشرفاء والكندي، إضافة إلى ملعب كرة القدم الغابر، تعود في الأصل إلى تعاونية، وهو طرح يثير الاستغراب، خصوصاً وأن هذه المرافق ظلت لعقود تؤدي وظائف عمومية واضحة.
أما ملعب كرة القدم، فقد تحوّل اليوم – في غياب أي تدخل – إلى فضاء للأتربة ومخلفات البناء، ومرتع للكلاب الضالة، في صورة تختزل الإهمال والتهميش الذي يطال المرافق الجماعية لاجل السيطرة على أرضه بشكل من الاشكال ودائما وفق بنود الاتفاقية والخداع السياسي .
5- أسئلة مشروعة… بلا أجوبة
أمام هذا التشابك المعقّد، تفرض عدة أسئلة نفسها بإلحاح على الرأي العام المحلي:
لماذا تغيّرت “عقيدة” المنتخب القوي بعد أن استُنفدت الأراضي واحدة تلو الأخرى باسمه لصالح المستثمر المحظوظ؟
هل يُستعمل ملف المستوصف كورقة ضغط لشراء الأرض بثمن زهيد؟
هل يُراد خلق توتر اجتماعي للمقايضة على ما تبقى من العقار؟
أم أن الهدف الحقيقي هو استعادة الثقة الانتخابية لفئة لم تمنح أصواتها له في الاستحقاقات الماضية؟
6- بين الدولة والمنتخب… من يعطّل من؟
الأكيد أن مستوصف سيدي موسى الذي يعود تاريخ بناءه الى عقود ، يندرج ضمن مشروع وطني للصحة، يقضي بإعادة البناء ، شُيّدت في إطاره مستوصفات مماثلة وانتهت الاشغال بها في حين ظل المستوصف رهين عمود كهرابائي، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً:
من يعطّل المشروع فعلياً؟
وهل تُترك مصالح الساكنة رهينة لمزاج منتخب، يتقلّب بين “معهم” و”ضدهم” حسب الظرف؟
ومن جهة أخرى وفي ظل استغلال حق الملكية للارض ، أليس من حق الدولة إعادة النظر في عملية بيع ارض فلاحية وزعت على صغار الفلاحين لفلاحتها وليس لبيعها وعرقلة المشاريع الاجتماعية ؟ اين حق الدولة اذن من هذه الارض ؟ ولماذا اصبحت الملكية سلاحا يستعمل ضد الدولة المانحة للارض وفق شروط خاصة ؟ أليس من حق الدولة اليوم محاسبة بائعي الارض الموزعة عليهم مجانا ؟
7- خاتمة مفتوحة
في انتظار توضيح رسمي شفاف، يبقى مستوصف تسلطانت عنواناً صارخاً لتقاطع السلطة ، والعقار، والسياسة، وضحية مباشرة لصراع غير معلن، تدفع ثمنه ساكنة تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى خدمة صحية قريبة تحفظ كرامتها.
فهل تتدخل السلطات الوصية لوضع حد لهذا العبث؟
أم أن هوس المشاريع العقارية في عقيدة الاستبداد سيظل السلاح المدمّر لما تبقى من الذاكرة الجماعية والمصلحة العامة؟

