جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان ترثي الشهيد بنعيسى أيت الجيد ببيان نوعي عميق
و مضتْ سنوات طوال طول يد السفاك و قصيرة كاليوم تجدد أنين الموت ، و ستمضي عشراتُ السنين و مئات، و بقي و سيبقى صوتُ الجريمةِ يُرعبُ ضمائرَ القتلة ، وصوتُ القضية العادلة يجمع الصفوفَ إثر الصفوف حتى تصبحَ القضيةُ كلُّها صفاً واحداً يوقظ مواجع الظلام و يهتف بصوتٍ واحد هو صوت القضيةِ ذاتها التي تؤرخ للجريمة على أشلاءَ جسد أسيل دمه على محيا الرصيف لا يمحوها كل ما حلّ من محوا أو نسيان . و لكن منذ ذاك اليوم الحالك السفاح ، وكلّ صباحٍ و مساء يأتي الشرفاء بالخبر اليقين : إنها هي وحدها القضية لا يمحوها من الوجود كلُّ ما في الأرض من سكاكين و سيوف ..
بمناسبة الذكرى الثامنة و العشرين لتهور الأيادي الآثمة التي انتزعت الحياة من شاب كان صوت الجماهير التواقة إلى وطن يتسع للجميع بعيدا عن تكالب الكولونيالية و أذنابها . ها نحن ، باسم كل العقلانيين من دعاة نسبية التاريخ ، نجدد بعث الروح في جثمان بنعيسى أيقونة الهامش الذي طالته ضربات الغدر في زمن العدوان المؤدلج بتحريف علاقة البشر بالسماء . على مقربة من تلاثة عقود و الذكرى الأليمة توقظ المواجع و تدين الطغاة الذين استصدروا الحق في الحياة عبر الإستقواء بمن كان يحمي الجهل المقدس في زمن التكالب الإمبريالي على مقدرات الشعوب . نعم ؛ لقد مات بن عيسى بين مخالب الرجعية كما مات حسين مروة و فرج فودة و المهدي عامل و اللائحة تطول على امتداد مساحات الظلام البائد في دهاليز الرجعية العمياء لتشمل حسن الطاهري سليل المغرب العميق إذ لا يزال الموت رقما سريا في معادلة ماذا جرى !!
بنعيسى ذلك العنوان العريض الذي يقض مضجع الذاكرة و يذكر الذين أمنوا بالقضية أن التاريخ محكمة للشعوب و أن الظلامية وباء ألمّ بمطامح الجماهير التواقة إلى التحرر و الإنعتاق . لذلك ؛ هنا نحن أوفياء للذكرى نزف فيها من جديد شهيدنا عريسا يربك مخططات الليل الهمجي ، و نصرخ إدانة للقتل و استهجانا للرجعية الموبوءة بالكذب المقدس و العار .
بنعيسى كما حسن ؛ تحدٍّ مفتوح على كل الجبهات على قاعدة عدم الإفلات من العقاب ، و صرخة مدوية تهمس في أذن القتلة أن الشهيد يعيش أكثر من جلاده و أن الحياة تنتصر مهما اشتدت شوكة الموت الهمجي على شكيلة القتل . هو عريس يحوّل المقابر إلى نداء يقظ لكل الضمائر الحية لمعانقة التنوير سبيلا للملمة جراح الذاكرة المخصية في كهوف الرجعية و البؤس الأيديولوجي ، يذكرها أن صرخات الشهيد ستظل وصمة عار على جبين الظلام المسنود بالرعب الذي استئسد في لحظة الخيانة الكبرى عندما ثم توثيق الزيجة بين الظلام و النيو – امبريالية فجر التسعنيات كتجل لاندحار البديل الإشتراكي بفشل عراب المعسكر الشرقي و ولادة صخب جديد بتوصيفة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد .
و لأننا ، من داخل النضال المدني بصرخات حقوق الإنسان ، أوفياء للشهيد أوفياء للقضية ، فها نحن نصدر البيان التالي تنويرا للرأي العام و تبرئة للذمة بمحكمة التاريخ و كفى بها شهيدا :
- نعتبر إيماننا بالشهيد بنعيسى إيمانا يقينا منا بالقضية ، و القضية هي النضال الذي لا ينضب ضد العنف المؤدلج بتحريف قدسية النص الديني تحت وطأة الوهم المؤسس بما يخدم رهانات دعاة التقية و الإنكسار الراغبين في تزييف التاريخ و بناء الأساطير الصفراء على أشلاء نور العقل الذي يعاند اسطوانات أهل الكهف من القتلة الدمويين .
- نؤكد أن رجحان قضية الشهيد يعضِّد مبدأ عدم الإفلات من العقاب كمبدأ غير قابل للمساومة و لا للمقايضة .. مرددين بصوت جوهري ” بنعيسى خلا وصية $$ لا تراجع عن القضية ” ؛ و هو ما يجعل إيماننا بالحياة يبدأ من قتل سقراط على يد طغاة السفسطائية ، مرورا بكل شهداء العقل من جيوردانز برونو و سبينوزا و فرج فودة و حسين مروة و المهدي عامل ، نحو حسن الطاهري ؛ مرورا عبر العريس بنعيسى الذي دخل التاريخ من بابه العريض رغم ماكينة القتل الهمجي الذي ارتكبه طغاة العنف المقدس غير بعيد من رحاب الجامعة حيث مطامح المستضعفين برليف خبز لا يهدر الكرامة و الشرف .
- قضية بنعيسى أكبر من كل أشكال الشخصنة التي تقعد للفهم من مداخل القبلية و العشائرية و المجالية و شتى الإنتماءات الضيقة . بالأحرى إنها قضية انتصار مبدئي للحياة رغم هوس الهمجية الرعناء و رغم شوكة الغدر . إنها قضية الكفر بالعنف و الإزدراء ، و الإيمان فقط بالسلام محجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا متطرف هالك . و عليه فنحن حقوقيا لا نتخذ مصير الشهيد حصان طروادة لتصفية الخلافات أو للبحث عن أصل تجاري لاقتناء الريع عبر احتكار الشرعية !! إن قضية بنعيسى قضية كل المؤمنين بلا حدود بالعقل و التنوير على نقيض عنجهية الكهنوت و غطرسة الإكليروس الجدد من محتكري مشروعية السماء خدمة لأجندة الكذب المقدس الذي يخطط لإدراك الخلافة بأدوات التقية هنا و القومة هناك على نقيض ما تتيحه الدولة المدنية من فرص الإنفلات من ربقة كل أشكال العنف و الإرهاب الظلامي الغاشم .
- نؤكد للرأي العام أننا نترفع بيقين قيمي عن كل أشكال الإساءة للغير أو الركوب على الروابط التقليدية من أجل احتكار القضية ، و نحن نسمو بالدفوع إلى معانقة روح كل المثون النظرية و كل المرجعيات الأخلاقية من الفطرة الأدمية الأولى و من الديانات الكافرة بالقتل و المؤمنة بالحياة و من الضمير الإنساني السليم . و معركتنا ، كانت و لا تزال ، من أجل صون حرمة القاعدة القانونية على لبنات عدم الإفلات من العقاب دون انتقام و لا مواربة . حيث نؤمن بالقانون أداة إجرائية لردع كل المخالفات بما يوطد دعائم الدولة المدنية المنشودة على أساس العدل و الإنصاف . و لذلك فإن إيماننا قوي بالقضاء وحده المؤهل للإدانة أو للتبرئة على دعامة المحاكمة العادلة جبرا للأضرار و تقديرا للحقوق . و لأننا أوفياء لخط الشهيد ، فها نحن نصدر هذا البيان لإقامة الحجة على صدق القضية و نبلها . راجين أن تنجح الدولة في حفظ الداكرة احتراما للمشترك الإنساني حتى لا تتكرر ويلات القتل الهمجي انتصارا للحياة و إدانة للتمويت الظلامي خدمة لرهانات التحكم الكهنوتي البئيس . و حتما سيعيش الشهيد أكثر من جلاده .
و ختاما نذكر و الذكرى تنفع المؤمنين بالقضية ..
من وصيّة الشهيد حسين مروة قبل موته ؛؛؛؛
” زيدوا ثقافتكم يارفاقي .. نظّموا أكثر عملية التثقيف حتى تتزايد شعلة الضياء تأججاً وسط الظلام الذي يُريد أن يَطغى ..”

