الخصوصية في التكنولوجيا الحديثة
تعتبر الخصوصية في التكنولوجيا الحديثة أمرًا هاما سواء بالنسبة للأفراد أو الشركات وحتى الحكومات؛ ففي كثير من الاحيان ترغب الحكومة في كشف البيانات الشخصية لبعض المستخدمين؛فيما قد تنتقد في أحيان أخرى الشركات التي لا تخفي ما يكفي من بيانات المستخدمين دون علمهم أو تجميعها في غفلة منهم.
عندما اصدرت شركة أبل تحديث نظام الاشتغال لهاتفها الذكي الايفون ios14 صب فايس بوك جملة من الانتقادات على مجموعة من التغييرات التجريبية في هذا التحديث؛ و تخص بالضبط حماية الخصوصية وعدم انتهاكها أو استعمالها دون إذن مسبق من صاحبها؛ولكن ما السبب في ذلك؟ كلنا نعرف أن فايس بوك يستطيع تتبع نشاطاتنا عبر مجموعة عديدة من التطبيقات؛ والهدف هو معرفة اهتماماتنا و مواقع تنقلاتنا والاماكن التي نتردد عليها؛وبهذا يكون قادرا على استعمالنا للاعلانات من الشركات المستشهرة؛ فمثلا اذا قمت انا بتحميل تطبيق يخص الملابس أو أي شيء أخر؛ وعندما أفتح فايس بوك أجد إعلانات لملابس متعددة تخص هذه الشركة منشورة على حائطي دون موافقتي؛ ففي التحديث الأخير ل ios14 قامت شركة أبل بتغييرات تجريبية تهم الخصوصية؛ وهو ما أزعج فايسبوك و تطبيقات أخرى؛ حيث جعلت هذا ممنوعا بشكل افتراضي؛أي أن موافقة المستخدم على ذلك لا تمر بشكل اوتوماتيكي؛بمعنى أن فايسبوك أو غيره لاستعمال بياناتك لا بد من وافقتك؛ وهنا في الغالب فإن المستخدمين يرفضون حينما يجدون أمامهم السؤال: ” هل تسمح لنا بتتبع نشاطاتك في تطبيقات أخرى؟” هذا التحديث من أبل لم يرض مارك زوكيربيرك؛ فقام بشن حملة على ابل للتخلص من هذه الميزة الجديدة؛ حيث اعتمد فكرة ماكرة إذ اعتبر أن شركته يمكنها التعرض لخسارة من أرباح الاعلانات وتستطيع النجاة ؛ ولكن الشركات الصغرى لن تتحمل ذلك؛ وقد تفلس لأنها توفر عملها من خلال فايسبوك؛ لكن تحت ضغط وجود أزمة كورونا وإغلاق الاسواق اضطرت أبل تأجيل الميزة؛ وقالت أنها ستفرج عنها في التحديث القادم السنة المقبلة؛ ولعلم الجميع أن شركة – وللتذكير فهي احدى الشركات العملاقة الاربع على الويب الى جانب غوغل وامازون وأبل- فايسبوك بنت نظام عملها على تتبع المستخدمين دون موافقتهم أولا؛ ولكن حين تأتي شركة مثل أبل لا تعمل مجانا لاجل الخير؛بل تعتبر الخصوصية سلعة تبيعها لمستخدميها بأسعار باهظة؛ بوضع ميزة تسمح للمستخدم بعدم استخدام نشاطاته دون علمه؛ تقيم فايسبوك الدنيا ولا تقعدها؛ وكأنها تعتبرنا نحن مستخدمي منصتها أشرارا وظالمين وناكري الخير؛ فهي تمنحنا النشاط على منصتها مجانا؛ولكن عندما تريد استعمال نشاطاتنا لاعلاناتها نحرمها من كل تلك الاموال التي ستجمعها عبرنا!
تنبني مؤاخذة فايسبوك لابل على نقطتين أساسيتين:
اولا: ابل تقوم بأخذ قرارات متسرعة دون التفكير في مصلحة ومستقبل الشركات الصغرى أي أنها( فايسبوك) تضع نفسها خارجا وان كانت هي كذلك متضررة فان ضررها لا يصل حد الافلاس كما هي الشركات الصغرى؛ غير أن هذا المنطق لا تلتزم به شركة الفايسبوك نفسها؛نتذكر جميعا محاولتها منذ عدة سنوات مضت دخولها لعالم الفيديو للتضيق على شركة يوتوب؛وذلك بزعمها أن المستخدمين لم يعودوا يفضلون القراءة بقدر مشاهدة الصورة؛وروجت لهذه الفكرة التي تبين فيما بعد أنها خاطئة؛بعدما تجند الكثير لهذه الخطوة وخسروا أموالا طائلة على تجهيزات لم تنجح في استقطاب المستخدمين؛لكن تبين فيما بعد أن المستخدمين لم يتركوا القراءة؛ فاضطر العديد من المستشهرين للإغلاق بسبب الخسائر.
ثانيا:إن أبل “تحتكر” منتجاتها الخاصة؛بمعنى أنها تنتج أجهزة IOS ولا تسمح بالمنافسة حولها وتفضل برامجها الخاصة للمستخدمين؛ وهذا تعتبره فايسبوك احتكارا؛لكننا نتذكر جميعا محاولة فايسبوك اصدار هاتفها الذكي الخاص؛ وكان كل شيء فيه يتم تقريبا على فايسبوك أو عبر احدى خدمات فايسبوك؛الا يعتبر هذا احتكارا أيضا؟لكن هذا فشل فشلا ذريعا.
استطاعت كل من فايسبوك وغوغل تطوير نظامهما الاعلاني في السنوات العشر الماضية؛حيث وجدا أمامهما كما هائلا من نشاطات المستخدمين؛فقررا باستغلالها لذر ارباح كبيرة عبر الاعلانات الاشهارية؛ فغوغل و فايسبوك يعرفان على مستخدميهما ما لا يعرفه المستخدمون عن أنفسهم؛وبالتالي فانهما يجنيان ارباحا خيالية عبر تجميع نشاطاتنا واستغلالها في الاعلانات؛هذا لا يعني طبعا أن غوغل تسمح بسرقة صورنا أو ملفاتنا؛لا ليس بهذا الفهم فمن هذا الجانب فالحماية متوفرة ومضمونة لدى غوغل.
ولعل ما يزيد من فائدة غوغل في هذا المجال هو نظام الاندرويد المجاني والمفتوح المصدر؛والذي تعتمده العديد من الشركات على هواتفها الذكية؛ ومن بينها طبعا هواتف الشركات الصينية وكذا الشركات الكورية؛ وغوغل وحدها هي المسؤولة على التحديثات لهذا النظام وبالتالي لن تجعل ضمن تلك التحديثات أي ميزة تمنحك التحكم في خصوصيتك كما تسعى أبل لذلك السنة القادمة؛فنظام IOS بالنسبة لشركة ابل هو حصري لمنتجاتها وغير متاح لشركات أخرى؛ولهذا السبب بالضبط أنا أفضل الايفون والايباد.

