هل فقدت الاحزاب السياسية المغربية دورها التأطيري؟
قبل أن نصوغ هذه المادة الاعلامية؛ لا بد من الاشارة الى أن الهامش الديمقراطي الذي تعيشه بلادنا و الهامش الذي تتمتع به على مستوى حرية التعبير لم يأت صدفة أو هو هبة من أحد ما؛بل ما تعيشه بلادنا اليوم حتى ولو أنه كان أقوى -حسب اعتقادنا- قبل مجيئ الحكومة الحالية؛ هو نتاج سنوات من النضال والتضحيات والمعاناة وسلسلة من المد والجزر بين الاحزاب – المسماة وطنية سابقا- و أطراف أخرى يمينية ومخزنية وغيرها؛ لا أحد يمكنه أن ينكر التضحيات الجسام التي قدمها مناضلون حقيقيون من أجل تثبيت هذه المكتسبات الديمقراطية واحقاقها؛من اعدامات وتعذيب ونفي وتهجير و حرمان من الارزاق وما الى ذلك خصوصا زمن سنوات الرصاص، هذه المكتسبات الديمقراطية التي تفتقدها العديد من الدول العربية والافريقية؛ كان ثمنها طبعا غاليا؛ ثم هؤلاء المناضلين لم يكونوا طبعا منفردين؛أو يتصرفون بأشكال اعتباطية؛بل كانوا قادة هذه الاحزاب الوطنية وساهموا بشكل كبير في تأطير مجموعة من المناضلين؛كما كانوا حاملين لافكار متنورة وغير منفعية؛ أهدافها بناء وطن حر يتمتع فيه كل المواطنين بقدر من الاحترام والكرامة والعدالة والعيش الرغيد.
كان لا بد من هذه الاشارة؛ حتى لا ينظر البعض الى ما سيأتي من أفكار في السطور الموالية؛ أنها مجرد أفكار لا أساس لبنيانها.
يمكن أن نقول بدون تردد أن أحزابنا اليوم فقدت كل المقومات التأطيرية؛ وتحولت قياداتها مع كامل الاسف الى مجموعة من الانتفاعيين والمناضلين من أجل خدمة المصالح الذاتية الضيقة جد؛عوض الدفاع عن المصالح العليا للوطن؛ولسنا هنا بحاجة الى تقديم أمثلة فيما هي بينة للعموم؛ كما أنها لا تحتاج لمجهود اضافي للبحث والتنقيب عنها، فقد تحولت هذه الاحزاب من مدارس متميزة في التأطير الحزبي والسياسي و صناعة الفكر المتنور؛ وصناعة المواطن المسؤول والمدرك لواجباته كما لحقوقه؛لكن تحولت هذه القيادات الى جماعات عملت بشتى الطرق على طرد كل المناضلين الحقيقين و احتفظت في محيطها فقط بالذين لا يعرفون سوى قول ” نعم ” للزعيم ومحيطه؛ ولا يتجرؤون على قول ” لا”؛أمام خطاب الزعيم وأفكاره وكأنه مقدسة أو أنها حقيقة مطلقة؛ أكيد أن هذا التحول الذي عرفته هذه القيادات لم يحدث فقط بفعلها وحدها؛بل كان أيضا بإيعاز من أطراف أخرى خارجة على التنظيم الحزبي؛ولكنها كيفما كان الحال حدثت؛ وما كان لها أن تحدث لو كانت القاعدة مؤطرة ومكونة تكوينا ناجعا؛ وكان لها ما يكفي من المناعة ضد هذا التحول الذي وقع.
إن السياسة التي اتبعتها تلك القيادات أفرغت الاحزاب من أطرها المتميزين سواء عبر التهميش أو الطرد بشكل مباشر؛ ولم يبق فيها سوى أشخاص لا يفقهون لا في السياسة ولا في الاخلاق؛وحولها الى زوايا تعج بالمرتدين عوض المناضلين الحاملين للتفكر النقدي والانتاجي؛ وهذا ما جعل أحزابنا – مع كامل الاسف مرة أخرى- يتبادلون السباب والشتائم كلما اختلفوا فيما بينهم؛ليس على المصالح الوطنية ولكن فقط على المصالح الشخصية الضيقة، هذا التنابز بالالقاب و تبادل السباب والتركيز على ما لا يهم المصالح العليا للبلاد؛أثر سلبا على المواطن؛ وجعله ينفر من هذه الاحزاب ويقاطع مكاتب التصويت عند كل استحقاق؛ ومثل هذه الامور طبعا تضر بالديمقراطية التي قدم من أجلها الريع السابق كل التضحيات حتى غدت هذه الديمقراطية تتدهور يوما عن يوم؛ ويفقد المواطن بعضا من المكتسبات التي حققها الجيل الاول وأدى الثمن غاليا؛ وفتح المجال حتى استأسد ذوي المصالح الخاصة على المشهد السياسي؛فأصبحوا ُيقْدِمون على أمور تضر بالبلاد والعباد؛و أصبحنا نقف باستمرار على مثل هذه النماذج في كل حين؛ حتى كدنا نألفها ونعتبرها من المسلمات؛سواء من بعض البرلمانيين أو القياديين الحزبيين ؛ وتذهب الأمور حتى الى نعث المواطنين بنعوت احتقارية أو نعوث دونية؛دون مراعاة لا لوضعهم كقياديين حزبيين؛ يفترض فيهم أن يكونوا قدوة للمواطن؛ولا لوضعهم الاعتباري كبرلمانيين وممثلين للأمة!
نحن اذن في حاجة الى حزب جديد؛ بمناضلين جدد؛ يحملون أفكارًا جديدة متنورة ولا تصنع الانتهازيين.

