التعليم في زمن الجائجة، وأهم التحديات التي واجهته

التعليم في زمن الجائجة، وأهم التحديات التي واجهته
بقلم مريم الخمليشي- متابعة محمد العربي اطريبش

لا يخفى على أحد المشاكل الكثيرة التي يعانيها التعليم ببلادنا، ابتداء من الميزانية الصغيرة التي تخصص له، والمناهج المتهالكة والمقررات البئيسة التي أكل الدهر عليها وشرب، إلى الأستاذ الذي يعاني في صمت وقد فقد هيبته واحترامه، وعنف من الدولة باعتمادها مجموعة من القرارات المجحفة ومن التلاميذ و أولياء الأمور في بعض الأحيان، بخلاصة التعليم يئن وداؤه يستفحل شيئا فشيئا، وهو يمضي نحو المجهول، وكأن ذلك لم يكفيه ولم تنقصنه إلا كورونا، لتضع الملح على الجرح.

لذلك نضع بين أيديكم، حوارا أجريناه مع مجموعة من الأساتذة في المجال الحضري والقروي، وفي مختلف المستويات والتخصصات، محاولينا تسليط الضوء على التعليم في زمن الجائحة، وأهم المشاكل والتحديات التي يواجهها.

التدريس في الحجر الصحي:

عانى الجميع أساتذة وطلابا وأولياء الأمور في بداية الحجر الصحي ارتباكا كبيرا وتشتتا، من أين سيبدؤون وكيف؟ إذ لم يسبق لهم أن عاشوا ظرفا استثنائيا كهذا، وقد أتى على حين غفلة، وبالتالي وجد الأستاذ نفسه عاجزا عن التواصل مع تلاميذته لعدم توفره على أرقام هواتفهم أو أي وسيلة تواصلية أخرى، كما صعب عليه إيجاد حساباتهم بالفيسبوك بسبب استخدامهم الأسماء المستعارة.

كشف التدريس في فترة الحجر الصحي عن الطبقية في التعليم وغياب تكافؤ الفرص، إذ إن التعليم الافتراضي كان متاحا لأبناء الأغنياء دون الفقراء، فمعظم التلاميذ لا يتوفرون على حواسيب أو لوحات إلكترونية وهواتف ذكية، وحتى إن وجد عند البعض المعدودين على رؤوس الأصابع، فإنه عادة ما يكون هاتف الأب ويتناوب عليه الإخوة ككل، مما يصعب عملية التدريس للأستاذ، الذي عليه أن ينتظر دور كل تلميذ على حدة، بدل الاجتماع في ساعة واحدة.

الظروف الاقتصادية للأسر لا تمكنهم من تعبئة الهواتف، خاصة أن معظم الآباء توقفوا عن العمل في فترة الحجر الصحي، والأستاذ ليس أفضل حالا، فهو مضطر أيضا لأن يعبئ من جيبه الخاص، فضلا عن ضعف الشبكة وانقطاع الاتصال المتكرر.

عدم معرفة الأستاذ التعامل مع الوسائل الحديثة في التدريس، والاتصال عبر منصات معينة، وإنجاز الدروس عبر برامج متقدمة، إذ إنه لم يتلق تكوينا في كيفية استخدام تلك التطبيقات والبرامج، فضلا عن كونه يستهلك وقتا طويلا، ويستنزف طاقة الأستاذ، ونفس الشيء بالنسبة للتلميذ، وهناك بعض الأساتذة من اعتمد على تصوير الدروس، لكن غياب الوسائل من آلة التصوير ومكبر الصوت يجعل التصوير عشوائيا والجودة ضعيفة.

صعوبة رصد المتعلمين ومراقبتهم أثناء الدرس وتقييم أعمالهم، خاصة مادتي التعبير الشفهي والخط، في السنة الأولى ابتدائي.

تأثير الحجر الصحي على نفسية التلاميذ والأساتذة، وغياب الحماس خاصة حينما أصدرت الوزارة قرارا بإلغاء الامتحانات، والاكتفاء بنقاط الدورة الأولى وتأجيل الامتحان الجهوي، وعدم الاستفادة من العطل للترويح عن النفس.

عدم القدرة على استكمال دروس الموسم الدراسي لسنة (2019-2020)مما كسر العملية التَّعليميَّة والتعلميَّة، خاصةً المواد التي تكون فيها الدروس مبنية على بعضها، فاحتار الأستاذ بين أن يقوم بحصص دعم لاستدراك الدروس السابقة، وبين المقرر الطويل الذي لا يكفيه الغلاف الزمني، مع العلم أن هذا المشكل كان حتى قبل الجائحة، ولكن الآن تفاقم بشكل أكبر.

كانت الوزارة قد أطلقت منصات للدراسة مثل منصة مكرسوفت تيمز لكن بحكم قلة خبرة التلاميذ بها لم يعرفوا كيف يستخدموها.

التدريس الحضوري:

في ظل الوضعية الوبائية التي يشهدها العالم، اتخذ كل بلد إجراءات تناسبه، ففي المغرب فرض ما يسمى بالتعليم بالتناوب، حيث إن القسم الواحد قُسِّمَ إلى اثنين، يحضر الفوج (أ) اليوم، والفوج (ب) في اليوم الموالي، بمعنى أن ساعة المادة بينهما قسمت إلى قسمين، مثلا إذا افترضنا أن الرياضيات يدرس أربع ساعات في الأسبوع، فإنها تقسم لقسمين وتصبح ساعتين كل أسبوع، والساعتين الأخرى يَعتمِدُ فيها التلميذ على نفسه في البيت، ولهذا الإجراء وجه إيجابي وسلبي أيضا، وسنبسطهما ها هنا معا:

الوجه الإيجابي:

اتفق الجميع على أن التعليم بالتناوب يظل حلا مناسبا في مثل هذه الوضعية الاستثنائية.

كان من حسنات هذا الإجراء تقليص عدد التلاميذ داخل القسم، مما خفف الضغط على الأستاذ، فقد أصبح يُدَرِّس عشرين تلميذا بدل أربعين، بالتالي سمح له بأن يَتعرَّفَ ويعْرِفَ ويفهم مستوى وقدرات كل فرد على حدة، ويشتغل معهم بشكل أفضل، فضلا عن زيادة نسبة التركيز للتلاميذ وفهمهم للدروس لغياب الشغب (الاضطراري)، لأنهم يجلسون بشكل متباعد عن بعضهم.

هناك من الأساتذة من يعتقد أن هذه الطريقة، أعطت الفرصة للتلميذ للاشتغال على ذاته بنفسه، وأن يصبح معلم نفسه، وتبقى مهمة الأستاذ هي الإرشاد والتوجيه، لكن هل يصلح ذلك مع جميع المستويات والأعمار والمواد؟

يظن بعض الأساتذة أن تقليص ساعات الدراسة سينعكس بشكل إيجابي على التلميذ، إذ سيتخلص من الضغط والقلق التي تسببها الساعات الكثيرة، وبالرغم من أنه لن يستكمل المقررفإنه يبقى أفضل من كثرة الدروس والتوتر الذي ينتج عنها.

التعليم بهذه الطريقة يعتمد على الكيف وليس الكم، مما سيجعل التلميذ مسؤولا عن نفسه.
الدروس التي لم يدرسوها لا تشكل لهم الكثير من المشاكل لأنها مكررة، وليست مبنية على بعضها ليشكل لهم عائقا.

الوجه السلبي:

الأستاذ مضطر لإعادة الدروس عدة مرات، فإذا كان يدرس خمسة أقسام وقَسَّمَ كل قسمٍ على حدة، فإنه سيعيد الدرس الواحد عشرة مرات، كما أنه مضطر لتصحيح الواجبات المنزلية ومتابعتها.

ليست هناك ساعات عملٍ محددة للأستاذ، فهو مضطر للإجابة عن أسئلة واستفسارات التلاميذ عبر الهاتف بشكل متكرر وفي أوقات قد تكون خاصة للأستاذ.
مشكلة طول المقرر وضيق الوقت، وهذا يربك الأستاذ والتلميذ أيضا.

الدراسة بالتناوب تُكسِّرُ عمليَّة التعليم، فالتلميذ يعود وقد نسي ما استفاده الحصة الماضية، خاصة المواد التي يدرسوها ساعة واحدة في الأسبوع.

يجد المتعلم صعوبة في إنجاز الدرس واحترام منهجيته وفهمه، خصوصا المواد الصعبة التي تحتاج لشرح وتفاعل بين لأستاذ والتلاميذ، وتلاميذ المستويات الأولى، الذين يفتقرون لأدوات الاشتغال ومنهجية العمل وضعف في القراءة والكتابة، ومعظم الأباء في العالم القروي أميِّين، بالتالي التلميذ يدخل في دوامة وتشتت.

التعليم بالتناوب يفرض درسين في حصة واحدة وهذا يصعب عملية الاستوعاب.

قواعد كرونا:

وضع الكِمامة يعرقل عملية الشرح، وبعض الأساتذة تسبب لهم مشاكل صحية، كما أن التلاميذ لا يسمع صوتهم بشكل جيد، وفي بعض المناطق الهشة تجد التلميذ لا يستطيع حتى شراء قلم أودفتر فمابالك بالكِمامة والمعقمات.

هناك ضغط نفسي على التلميذ، فينبغي أن تنبهه بين الفينة والأخرى من أجل وضع الكِمامة، كما أن الأستاذ يمضي الحصة وهو يذكرهم بعدم إزالة الكِمامة، فضلا عن إلغاء فترات الاستراحة والخروج للساحة، إذ أصبح الأستاذ هو الذي يتنقل من قسم لآخر تفاديا للتجمعات مما يعني أن التلميذ يظل جالسا لساعات في مكان واحد وبالتالي لا يجدد نشاطه.

بعض المؤسسات لا تتوفر على كل المستلزمات الوقائية، بل إن البعض الآخر لا تتوفر حتى على المياه وخاصة في المجال القروي.

التلاميذ يجيدون صعوبة في فهم دروس هذا الموسم الدراسي، لأن الدروس مبنية والحجر الصحي حرمهم من استكمالها.

اضطر بعض التلاميذ في المناطق النائية إلى الانقطاع عن الدراسة لأنهم حرموا من السكن الداخلي والنقل المدرسي.
عملية التفويج تعرقلها العطل، فيجد الأستاذ أن فوجا لم يلتقيه إلا مرة واحدة في الشهر.

التوقعات:

المقرر الدراسي يستحيل أن يستكمل وحتى إن استكمل، فإن التلاميذ سيجدون تعثرات كثيرة وسيدرسون كل الدروس ولن يتذكروا شيئا.

الأمر رهين بتظافر جميع الشركاء، ومن المبكر أن نحكم.
سنة دراسية ناجحة لأن المقرر لن يستكمل، وبالتالي سيأخذ التلاميذ دروس قليلة، ولكنها سترسخ في ذهنه.

سنة دراسية فاشلة بامتياز، واحتلال المغرب مراتب متأخرة في التعليم، خاصة مع اضرابات الأساتذة المتعاقدين، وضياع التلاميذ خاصة ذوي القدرات المحدودة الذين يحتاجون إلى وقت أطول للفهم والاستيعاب.

المقترحات:
يأمل الأساتذة أن يستفيد الجميع من هذه المحنة، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا، ويقوم كل بالمسؤوليات المنوطة إليه، حتى ننجح العملية التعليميَّة ونصنع جيلا قادرا على أن يحمل المشعل.

من الضروري أن يكون هناك مخطط وخريطة للمستقبل، وأهم ذلك هو تقليص الدروس، والتركيز على الكيف لا الكم لإنجاح العلمية التعلمية.

الالتفات إلى العالم القروي، وبذل جهود مضاعفة من أجل توفير الحاجيات الضرورية للتلاميذ، وتحقيق تكافؤ الفرص، وتوزيع الأجهزة الإلكترونية على التلاميذ والأساتذة.
التركيز على تعلم كيفية التعامل مع الوسائل الحديثة سواء معلما أو متعلما.

الإبقاء على التعليم بالتناوب بالنسبة للمواد التي لا تتطلب شرحا كبيرا، واعتماد التعليم الحضوري الكلي بالنسبة للمواد الصعبة.

التركيزمستقبلا على أن يتعلم التلميذ كيف يتعلم وكيف يبحث بدل حشوه بالمعلومات.

في الختام، نأمل أن تصل أصوات هؤلاء الأساتذة من أجلنا وأبنائنا، صحيح أن المقال ركز على المشاكل والتحديات في زمن الجائحة، غير أنها في حقيقة الأمر ليست حديثة العهد، بل إن جذروها تمتد لسنوات خلت، أما الجائحة فعرتها بشكل أكبر، لذلك ينبغي حلا جذريا وخططا بديلة وإعادة النظر في المناهج الدراسية والمقررات وتكوين الأساتذة والأطر التربوية، ورفع ميزانية التعليم وجعلها من الأولويات، لأن التلعيم هو ورقتنا الرابحة للحاق بركب الأمم، وتحقيق النهضة والتقدم.

الأساتذة الذين أُجريَ الحوار معهم:
صباح اليزغي- سارة الخليطي- حمزة الحداد- انتصار الشملال- عبد الناصر بنصبيح- بلال العشيري- سارة الخبازي- عبد الرحمن أخبوبوش- عبد الله اسلامة- محسن السهيلي- سعيد حمانو- سكينة حماد- ادريس العلوي- سعاد الخياط- هاجر طرازي- ياسين الشاعر- بهيجة اليزغي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *