من Casa ل Marseille
إن خطوة تشديد إجراءات منح التأشيرات للمغاربة الراغبين في زيارة التراب الفرنسي التي أقدمت عليها مؤخراً المصالح القنصلية الفرنسية بالمملكة، ما هي إلا بداية للخطوات التصعيدية العلنية والمنمقة بعبق التبريرات التي ستتخذها فرنسا ضد المغرب؛ فلو كان الإجراء قنصليا محض وذو بعد أمني و خالٍ من المناورات الفرنسية غير السليمة، لما خرج وزير الخارجية التعاون الإفريقي ناصر بوريطة، في ندوة صحفية ينتقد فيها القرار والأسباب غير المبررة المؤدية إلى اتخاذه.
ولعل ما يفسر التصرفات الابتزازية الأخيرة لفرنسا تجاه المغرب هو مسارعته إلى الالتحاق بركب المحور الأنجلوسكسوني، بعدما ظهرت بوادر استعداده لمغادرة المنطقة الفرنكوفونية، على ضوء الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء؛ وكذا التقارب الكبير مع بريطانيا التي مرت إلى السرعة القصوى لإنجاز المشاريع وخلق الشركات مع المغرب، بالإضافة إلى التحول الجذري للإعلام البريطاني في التعاطي مع قضية الصحراء المغربية حيث عمدت منابر عريقة و ذات مصداقية إلى بث خريطة المغرب مكتملة ومتصلة بصحرائه في أكثر من مادة إعلامية.
وما يزيد من انزعاج فرنسا ويجعلها تحرض ضد المغرب وتعاكس مصالحه في القارة عبر أذنابها وأتباعها غير الظاهرة، هو اختيار المملكة الانضمام إلى ثنائية بريطانيا وأمريكا في إفريقيا، ناهيك عن اقتراب دول مثل إثيوبيا وأنعولا وغانا وجنوب إفريقيا إلى تغيير موقفها من الوحدة الترابية لصالح المغرب.
إذا كانت فرنسا تبذل قصارى جهودها لاحتواء الفضاء الفرنكوفوني وتحصينه من خلال احتضان مقر المنظمة الدولية للناطقين بالفرنسية و رصد ميزانية مهمة لها تناهز 180 مليون أورو سنويا، بالإضافة إلى تخصيص مؤسسة وزارية باعتمادات مالية ضخمة ضمن التشكيلة الحكومية تحت اسم كتابة الدولة المكلّفة بشؤون التنمية والفرنكوفونية؛ فمن الطبيعي أن تقلقها قرارات المغرب القاضية بالتخلي والخروج عن هذا التكتل، لأن فرنسا من دون ثروات إفريقيا لا تسوى شيء ومهددة بالزوال، كما لا ترغب في تكرار سيناريو دولة روندا التي قررت الانضمام إلى المحور الأنجلوسكسوني التي شهدت خلال فترته ازدهارا وتقدما كبيرين على كافة الأصعدة، عكس الويلات والحروب والمجاعة والنهب المستمر لخيراتها التي ذاقت مرارتهم إبان تبعيتها لفرنسا.
ما لا يريد عقل النظام الفرنسي الحاكم استيعابه وفهمه هو أن زمن لَيِّ اليد والابتزاز قد ولى؛ ولم يعد المغرب من الدول المنبطحة وذات التبعية التامة لمستعمرها، وليس من ثلة الدول الافريقية التي مازالت تقدم فروض الطاعة والولاء لفرنسا، بل إن مواصلة التمادي في معاداته والمس بمصالحه هي مجازفة للإجهاز على المصالح الكثيرة للجمهورية الفرنسية في المغرب.
وحسب وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي فإن المملكة أضحت الوجهة الأولى للاستثمارات الفرنسية في إفريقيا، حيث أن 90 ٪ من كبرى الشركات الفرنسية تستمر بالتراب المغربي مما يعني أن 36 من أصل 40 شركة مسجلة في مؤشر كاك لبوصة باريس لديها نشاط في المغرب.

