قراءة في تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقابلة خاصة مع قناة الجزيرة
تحدث الرئيس الجزائري في البداية عن الحراك وقد وصفه بالحراك المبارك الأصلي الذي أنقد الجزائر من كارثة بعد أن كانت في يد عصابة أرادت خمس سنوات أخرى للاستيلاءعن ما تبقى من ثروات الجزائر، وقد صرح بان الخطر قد زال في المرحلة الحالية و نوه بالشعب الجزائري الذي قاد الحراك.
و الملاحظ أن الرئيس الجزائري في بداية حديثه يفصل نفسه عن العهدة السابقة للرئيس بوتفليقة و يحاول تبرئة نفسه منها بنعتها بالعصابة ، وهو الذي شغل منصب وزير في عدة ولايات حكومية منذ سنة 1999 الى حدود 2017 ، وقدكان في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني، لكنه رشح نفسه كمستقل في انتخابات الرئاسة التي فاز فيها .و باستخدامه لاستعارة الحراك المبارك الأصلي و مصطلح الدولة الدائبة فالملاحظ هو أن الرئيس الجزائري قد استخدم مصطلحات غريبة على الحقل السياسي و غير معتادة في تصريحات قادة الدول، و يقع في التناقض منذ بداية الحوار حيث يقدح العهدة السابقة و ينعتها بالعصابة و يستثني نفسه منها.
وعند سؤاله عن ماذا اذا تقدم الإسلاميون في الانتخابات القادمة، أجاب بأن الإسلام الايديولوجي قد ذهب من الجزائر و لن يعود، و الملاحظ أن الرئيس الجزائري لم يستحضر بأن الجزائر أرضية خصبة لتكون الأيديولوجيات الإسلامية المتطرفة حيث تجد الظروف المثالية للتكون كالفقر و البطالة و غياب التنمية و فقدان الثقة في السلطة السياسية، ما يجعل من الإسلام الأيديولوجي المتطرف بركان نائم ينتظر الظرفية المواتية للانفجار ، و مما لا شك فيه أن العشرية السوداء مثالا يجسد للصراع المسكوت عنه في الجزائر، الذي سوف تتضح ملامحه جليا مع الانتخابات المقررة في 12يونيو 2021 ، حيث فقدان الثقة في السلطة السياسية يعزز من سيناريو المقاطعة للانتخابات القادمة و يأجج لحراك جزائري يلوح في الأفق ، كما يطرح سيناريو قلب الطاولة من الإسلاميون ، وهذا ما يجهله الرئيس او سكت عنه بتصريحه على أن الإسلام الأيديولوجي قد ذهب من الجزائر ، والملاحظ أن دولة الجزائر بطبيعتها الجغرافية من أكبر دول القارة الافريقي و تحيط بها دول مثل ليبيا و النيجر و مالي تشهد عدم استقرار سياسي و ملاذا امنا لأكبر الجماعات الجهادية تطرفا في المنطقة .
عند سؤاله عن الفساد ومصطلح العصابة قد قال لازلنا نكتشف ان مئات ملايير الدولارات قد نهبت و ذهبت الى الخارج، ووصف الفساد على أنه قد أصبح من تقاليد الدولة ، وهنا يلاحظ على أن الرئيس الجزائرياستخدم مصطلح (تقاليد الدولة ) الذي يشير الى اعتقاد أو سلوك شعبي ، و هنا تظهر نظرية الخضوع مقابل الأموال ، و كيف تستغل مؤسسة الجيش الحاكم الفعلي للجزائر الفساد لتحقق خضوع الأحزاب السياسية و المواطن الجزائري البسيط الذي يسعى الى الامن و الاستقرار و العيش الكريم ، فتستغل الحاجة لبسط الخضوع بالأموال و البرامج و شعارات المؤامرة ، و بقول الرئيس أن كل شيء كان مركزا بين خمسون شخص هم اهل القرار ، فالملاحظ أنه يلعب بين الحبلين فهو يقدم خمسون شخص و يستثني قرابة 800 جنرال ، و كأن المؤسسة العسكرية تقدم قربان الغفران لاحتواء الأوضاع .
وقد وصف الحراك بأنه قد تماشى مع تعليمات قائد الأركان قايد صالح ، وقد دخل الجزائر عهدة جديدة ، والملاحظ أن الرئيس الجزائري قد حاول تبسيط المرحلة الانتقالية المثيرة للجدل ، و تحدث عن عهدة جديدة فعلية لمؤسسة الجيش ، في الوقت الذي تتمتع به الجزائر بطاقات شابة يقصيها النظام من شأنها نقل الجزائر الى عهدة جديدة حقيقية شعارها التقدم و الازدهار تحت لواء الدولة المدنية بمفهومها المعاصر.
وعند سؤاله عن المؤامرة قد صرح بأن الجزائر مستهدفة من زمان و أن الجزائر هي الجمهورية الوحيدة التي ظلت واقفة امام ما نعته الرئيس حرفيا (بالربيع العربي أو التخريب العربي او ما يسمونه كما يحبون)،
الملاحظ أن الرئيس الجزائري و الناطق الرسمي يقدمون نظرية المؤامرة كل ما أتيحت لهم الفرصة لذلك كونها وسيلة ذات بعد نفسي على الشارع الجزائري و ما يعرفه من غليان ، و قد وصف الربيع العربي الذي نتج عن إرادة الشعوب العربية بالتخريب العربي ، وهنا يظهر الجانب السيكولوجي حيث يتحصر و يحن الى المرحلة الديكتاتورية قبل الربيع العربي في بعض بلدان المغرب العربي .
و وصف الجزائر بأنها تحمل مشعل فلسطين و الصحراء الغربية (الكيان الوهمي في الصحراء المغربية) والشعوب المقهورة و المضطهدة و أكد على أن الجزائر هي الدولة الوحيدة التي تدافع عن هذه القضايا، كونها مستقلة و ليس عليها أي دين ، و كونها تمتاز بنظام اجتماعي مدستر و مقنن ، و طب مجاني و تعليم مجاني و المواد الأساسية مدعمة ،
و الملاحظ أن الرئيس الجزائري قد قدم مغالطات لا يمكن تجاوزها حيث يصف الجزائر بأنها الدولة الوحيدة التي تحمل مشعل القضية الفلسطينية ناكرا الجهود الدولية و العربية وما تقوم به لصالح الشعب الفلسطيني مثل لجنة القدس بقيادة صاحب الجلالة الملكمحمد السادس ، و الدور العربي للملكة المغربية و مصر و المملكة العربية السعودية ، و الامارات ، في التهدئة جراء التصعيد الأخير ، فالمؤسسة العسكرية في الجزائر لا تساهم بأي قيمة مادية للشعب الفلسطيني و تكتفي بالشعارات الزائفة و تحاول ما أمكن ربط القضية الفلسطينية بقضية الصحراء المغربية .
و عند سؤاله عن علاقته بالمؤسسة العسكرية قال بأن العلاقة حميمية وطبيعية ، و الملاحظ أن الرئيس الجزائري وقع في زلة لسان باستخدامه لمصطلح ( علاقة حميمية ) ، حيث يتضح الجانب السيكولوجي فزلات اللسان تعبر عن رغبة غير واعية ، وما يقال بشكل عفوي هو ما يختزنه المرء عادة في اللاوعي ، و هذا المصطلح يلخص بشكل صريح علاقة الرئيس بالمؤسسة العسكرية .
و عند سؤاله عن زيارته لزعيم جبهة البوليزاريو الوهمية و علاقة الجزائر بالمغرب قد صرح بانه ليس لديهم مشكل مع المغرب و على ما يبدو ان المغرب من لديه مشكل مع الجزائر و دعاه للتفضل لطاولة الحوار و تبيين المشاكل مع الجزائر ، ام قضية الصحراء ليس وليدة اليوم بل قضية أربعين سنة بين يدين الأمم المتحدة و في لجنة تصفية الاستعمار و ليست في اللجنة الخيرية ، وقد صرح بان الأمم المتحدة تعتبر بأن الصحراء الغربية ( الصحراء المغربية ) مستعمرة ، و لديها قوات و المينورسو مبعوث الأمم المتحدة هناك ، و قد سبق و كانت العلاقة طيبة مع الاشقاء في المغرب ، الحدود مفتوحة و قضية الصحراء بين يدين الأمم المتحدة ، مثل ما قرر آنذاك المرحومين الملك الحسن الثاني ، و الملك فهد ، و الرئيس الشادلي ، و هذا ليس بجديد نحن لم نتغير و لا نقبل الامر الواقع مهما كان الحال .
و الملاحظ أن الرئيس الجزائري قد حاول تغطية تواطؤ النظام الجزائري مع زعيم الكيان الوهمي إبراهيم غالي ، و تجاوز تفاصيل قدومه لإسبانيا بجواز سفر مزور جزائري باسم مستعار ، و على ما يبدو أن الرئيس الجزائري لا يستطيع استيعاب المراحل المتقدمة التي وصل اليها ملف الصحراء المغربية من الناحية القانونية ، وقرارات مجلس الامن بهذا الخصوص حيث تتجه لإجماع دولي و في مقدمته قرار الولايات المتحدة الامريكية الذي يعترف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية ، بالإضافة لبسط المملكة المغربية لسيادتها على معبر الكركارات في الحدود مع موريتانيا و توجيه ضربة موجعة الى مرتزقة البوليزاريو ،
و عند سؤاله عن الملف الليبي قاطع الرئيس صحفي الجزيرة و صرح بانهم غير خارجين على القانون و وصف الكيان الوهمي للبوليزاريو بالجمهورية الصحراوية العربية بالعضو المؤسس للاتحاد الافريقي ، و قد كانت عضو لمنظمة الاتحاد الافريقي و عندما تغيرت و أصبحت الاتحاد الافريقي ما بين الأعضاء المؤسسين الجمهورية العربية الصحراوية ( الكيان الوهمي للبوليزاريو ) و بها خمس وسبعون دولة معترفة بها ، و بخصوص غالي زعيم الجبهة قد استقبلته و لا نستقبله بالخفاء ، و قد غادر برخصة من اسبانيا و قد تم الاستماع له في القضية بالمحكمة العليا بإسبانيا و تبين على انه لا شيء هناك .
و الملاحظ أن الرئيس الجزائري عند مقاطعته لصحفي الجزيرة قد أحس على أن الإجابة التي قدمها بخصوص ملف الصحراء لم تشفي له الغليل ، و أدخلته في حالة من الشك و الارتباك الذي اتضح على حركاته اثناء الحديث ليعود لنفس الأسطورة التي أسس لها النظام العسكري الجزائري مع معمر القدافي و تبرير شرعية ما وصفها بالجمهورية الصحراوية العربية ، بوصفها بالعضو المؤسس للاتحاد الافريقي ، وهنا يبرر الرئيس لنفسه ليشفي غليله .
و بخصوص الملف الليبي قد صرح بأن الجزائر لا تقبل بان تكون أول عاصمة مغاربية و افريقية يحتلها المرتزقة ، وكنا سوف نتدخل آنذاك ..، و عندما قلنا خط احمر حقيقتا كان خط احمر ، كما أشار الرئيس الى أن الملف الليبي كان أول رجوع للدبلوماسية الجزائرية ، بعد أن كانت الجزائر قد مسحت من الوجود ، و الدبلوماسية قد عادت وفعالة مع الجيران قبل باقي العالم ..، و كان بالإمكان كل الفرقاء الليبيين و كل رؤساء القبائل ، الكل طلبوا الدخول الى الجزائر للقاء و تقرير انتخاب من منهم يسير مؤقتا الدولة الليبية ، و نحن قد رفضنا ، لأننا دولة تحترم القانون و القانون الدولي و لم تخرج الجزائر منذ استقلالها الى اليوم عن ملمتر واحد عن القانون الدولي و نحن الدولة الوحيدة ربما ، و قد قال بالحرف عدم التدخل و السماع و الطاعة للأمم المتحدة و ما تقرره الأمم المتحدة نحن نطبقه .
و الملاحظ أن الرئيس الجزائري ليست لديه أدنى فكرة عن قوعد العلاقات الدولية و مبدأ عدم التدخل الذي نصت عليه المادة الثانية في فقرتها الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة ، حيث تقول المادة ( يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد “الأمم المتحدة”.. ) ، ليكون الرئيس الجزائري قد وقع مرة أخرى في التناقض و تضارب الأفكار لدرجة أنه يدعي مرة أخرى أن الجزائر هي الدولة الوحيدة التي لم تخرج عن القانون الدولي في الوقت الذي يجهل الرئيس مقتضياته .
و بخصوص الملف المالي قد صرح الرئيس بأنه منذ سنة 1962 وهم متكلفون بمشاكل مالي كجيران و اشقاء ، و أشار الى المشكل المطروح بين الشمال و الجنوب ، و اضاف نحن نتدخل بحسن نية ، و لا نطلب أي شيء بالمقابل ، و يبدو ان مالي داخل في طوق الجزائر ، هناك قوافل طويلة و عريضة حاملة لسلاح تقيل و خفيف و متجهة الى الساحل ، تمثل عصابات وقد رأوها عبر الأقمار الاصطناعية ، و راقبوها بدون ان يوقفها احد ، معناه انه قد طوق الجزائر و من بعد يصبح اختراقها سهل ، ولهذا الجيش مقدس و قوي و سوف يتقوى اكثر .
و الملاحظ أن الرئيس الجزائري يعود مرة أخرى لنظرية المؤامرة و يوجه أصابع الاتهام للدول الكبرى ، و يبرر بطريقة غير مباشرة تواجد قرابة خمسون الف جندي ينحدرون من طبقات هشة من الشعب الجزائري يرمي بهم النظام الجزائري في الحدود مع مالي لمحاربة ما أسسته المخابرات العسكرية لجنرالات الجزائر في العقود السابقة من جماعات إرهابية ،
و عند سؤاله عن المناورات المكثفة للجيش الجزائري صرح الرئيس أن الجيش قد خرج من السياسة تماما منذ (12 سنة او 15 سنة ) ، و تجاوز المهنية و هذه تدخل في جاهزية الجيش في أي لحظة و هو جاهز لأي طارئ ، و لم يعد يعمل في السياسة .
و الملاحظ أن الرئيس الجزائري الذي يشغل منصبه قرابة السنة و النصف ، يروج لفكرة عدم تدخل الجيش في العمل السياسي في الوقت الذي تقدم ديباجة الدستور الجزائري في فقرتها الثامنة و التاسعة عمق العلاقة التي تربط الدولة بالجيش ، بالإضافة الى أنه يستحيل أن يصدق عاقل أن الرئيس الجزائري في سنة و نصف على توليه مهامه قد استطاع ان يفصل الجيش عن مهامه ، بغض النطر عن الطريقة التي جاء بها الى الحكم .
وعند سؤاله عن القضية الفلسطينية صرح الرئيس بأنهم لا يغيرون موقفهم لا بالتقادم ولا بالتخاذل، هناك اتفاق على مستوى الجامعة العربية، على أن يكون هناك سلم مقابل الأراضي، و اليوم لا سلم و لا أراضي و ختم الرئيس المقابلة بالتساؤل فلماذا أطبع أنا.
و الملاحظ أن الرئيس الجزائري قد دكر اتفاق الجامعة العربية دون ان يستحضر مبادرة الملك عبد الله هدفها إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دولياً على حدود 1967 وعودة اللاجئين وانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع إسرائيل، وكانت في عام 2002. وقد تم الإعلان عن مبادرة السلام العربية في القمة العربية في بيروت. وقد نالت هذه المبادرة تأييداً عربيا، و الغريب ان الرئيس ختم المقابلة بسؤال ( لماذا أطبع أنا ؟ ) و لهذا التساؤل عدة دلالات فهل ينتظر الرئيس الجزائري مقابلا للتطبيع ؟ .

