الباقي استخلاصه بين مسؤولية الجماعة وتماطل الملزمين
ظاهرة الباقي استخلاصه، معضلة مالية تعاني منها جميع الجماعات الترابية، حيث يزداد حجمها سنة بعد أخرى دون اللجوء لاتخاذ إجراءات صارمة و حاسمة للحد منها، رغم جل التغيرات التشريعية و القانونية التي عرفتها المنظومة في هذا الاطار.
مما أصبح ”الباقي استخلاصه” كابوسا يهدد الميزانيات المحلية ، مسببا عقما حقيقيا في جل الموارد المالية المحلية .
و بما أن الجماعات الترابية تعد بالدرجة الأولى شريكا أساسيا للدولة في التنمية ، و محركا مهما للإنتاج المحلي، إلا أنها اليوم في ظل هذه الأرقام المخيفة للباقي استخلاصه ، أصبحت عاجزة عن القيام بدورها المنوط لها بكفاءة و فعالية لما يتطلبه مسلسل التنمية المحلية ، مما أًصبح ضرورة تدارك هذه المعضلة أمرا واجبا لا محال.
وتأسيسا على ذلك، فإشكالية تراكم الباقي استخلاصه ترجع لعدة عوامل أساسية تتمثل أهمها في:
-الملزمين ، حيث نجد مجموعة من المطالبين بالأداء يقومون بالتستر على المداخيل الخاضعة للضريبة، أو لجوءهم الى الغش عند تحديد الوعاء الضريبي أو إدلائهم بتصاريح مزيفة ، أو عدم تقديم بيانات حقيقية، قصد التدليس، كالتصريح مثلا باسم خاطئ أو عنوان غير كامل، بُغيةً في تعسير عملية التحصيل قصد التهرب من الأداء.
-أما على مستوى الإدارة، فهي تعرف ضعف كبير في العنصر البشري من جهة، و عدم تخصصه في المجال الجبائي من جهة أخرى، زد على ذلك الغياب التام للتتبع و التكوين مع انعدام التأطير، فضلا عن عدم التساوي بين المهام المنوطة لكل من القابض الجماعي و وكالة المداخيل. كل هذه العوامل تؤدي لا محال الى تأخير استخلاص الجبايات.
-و لا نغفل عن المسؤولية الكبيرة و الثابتة بالأساس في حق بعض المجالس المنتخبة ، في تفاقم الباقي استخلاصه، خاصة في عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحصيل مستحقات الجماعة التي تسبق تاريخ استحقاقها فترة انتدابهم، بادعائهم أنهم لم يكونوا مسؤولين وقتها، و هذا ان دل على شيء و بدون جزم، أنما يدل على نية سياسية ذفينه تتمثل في خوفهم من مساءلة الملزمين الذين يعتمدون على أصواتهم في حملاتهم الانتخابية.
إضافة الى غياب الحملات التحسيسية بالأداء قصد الشرح و التفسير للملزمين بخطورة تفاقم وباء الباقي استخلاصه على التنمية المحلية، و كذا تقصير و تماطل المجالس في تطبيق المقتضيات القانونية و الزجرية في حق الممتنعين عن الأداء. و هذا ما أشارت اليه بعض المجالس الجهوية للحسابات و التي أقرت في مختلف تقاريرها عن وجود مجموعة من الاختلالات الملحوظة في التسيير الجماعي، مما يؤدي الى بشكل كبير الى استفحال ظاهرة الباقي استخلاصه.
الا أنه يجب التفرقة بين نوعين أساسين من الباقي استخلاصه ، الأول العالق في ذمة الملزمين ذو وضعية سليمة ، والمتملصين عمدا من الأداء عبر التستر على معلومات من شأنها إعاقة عملية الاستخلاص ، و نوع اخر متراكم منذ عدة سنوات و الراجع بالأساس لبعض الملزمين الذين أصبحوا غير قادرين على الأداء لسبب من الأسباب ، مثلا بسبب إفلاس الملزم أو موته، أو أن المحلات موضوع التحصيل لم تعد موجودة من الأساس، و غيرها من الأسباب التي تحول دون ذلك، ممالا شك فيه أن هذا النوع من الباقي استخلاصه لم و لن يتم تحصيله بأي طريقة من الطرق و ذلك لعدم توافر الشروط الممكنة و البينة للتحصيل، و عليه يجب حذفه وعدم احتسابه و التركيز التام على فئة الملزمين القادرين على الأداء و الذين يحاولون بطريقة أو أخرى التهرب من تسديد ما بذمتهم من ضرائب و رسوم لفائدة الجماعة.
فالباقي استخلاصه أصبح أزمة وطنية تعاني منها جل الجماعات الترابية وهذا ما يجعل القضاء عليها أمرا لزاما يستدعي تظافر الجهود بإشراك جميع المتدخلين ، خاصة الادارة و ذلك عن طريق إصلاح و تأهيل العنصر البشري كما و نوعا، مع التتبع الدائم ، و كذا العمل على تقريب الملزمين من خطورة استفحال الباقي استخلاصه ،و تأثيره السلبي على برامج الإصلاح و التنمية المحلية. و لا بد من الإشارة للمستفيد الأول و الأخير من عملية التحصيل ألا وهو الخاضع نفسه.

