بهلوانيات بنكيران: جدل الاستفزاز والابتزاز

بهلوانيات بنكيران: جدل الاستفزاز والابتزاز
عبد الرحيم الوالي

طيلة الفترة التي قضاها على رأس الحكومة ظل عبد الإله بنكيران يردد بأنه لن يصطدم مع الملك. وهو القول الذي يبدو أن ظاهره التوقير بينما باطنُه التهديد. فكأن الرجل كان يقول، ضمنيا، إن بإمكانه الاصطدام فعلا مع الملك لولا الوضع الاعتباري، الرمزي، لهذا الأخير.
وعندما قرر المغرب استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وتحرك بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية ضد هذا القرار، خرج بنكيران ليلبس لبوس الواعظ، ويتظاهر بالحكمة، داعيا هؤلاء إلى التريث حتى تأتي الفرصة المناسبة. فهو يعرف أن السياسة الخارجية مجال يحتكره الملك عمليا وأن كل وقوف أمام قرار استئناف العلاقات مع إسرائيل يعني المواجهة المباشرة مع المؤسسة الملكية. وبعد مدة قصيرة من ذلك اختار بنكيران أن يعلن تجميد عضويته في حزب العدالة والتنمية وقطع علاقاته مع وزراء حزبه في الحكومة احتجاجا على تمرير مشروع قانون يهم الاستعمالات الطبية والصناعية للقنب الهندي.
ظاهريا، يبدو الأمر منفصلا تماما عما سبق. لكننا لا نلبث أن نكتشف الخيط الرابط بين استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية من جهة وتقنين الاستعمالات الطبية والصناعية للقنب الهندي من جهة أخرى. فإسرائيل راهنت منذ مدة ليست باليسيرة على تطوير الصناعات المرتبطة بالقنب الهندي والماريخوانا التي تُستخرج منه سواء في المجال الطبي أو في غيره. وبما أن المغرب يعتبر من البلدان التي تنتشر فيها زراعة القنب الهندي فإنه يعتبر شريكا اقتصاديا كبيرا لإسرائيل على هذا الصعيد. ومن شأن تقنين الاستعمالات الطبية والصناعية للقنب الهندي أن يعود بالأثر الإيجابي الكبير على اقتصاد البلدين معاً ناهيك عن آثاره الإيجابية على الفلاحين داخل المنطقة الشمالية بالمغرب، وعن انعكاسات ذلك على التنمية في هذه الأقاليم التي ظلت تعاني من جملة من المشاكل بسبب الزراعة غير المشروعة للقنب الهندي. وعليه، فحينما يخرج بنكيران ليعلن معارضته لكل هذا فإنه لا يفعل أكثر من تصفية الحساب، بطريقة أخرى، مع الملك ومع إسرائيل عبر تحريض أتباعه على مناهضة مشروع القانون المذكور.
طبعا، فبنكيران لم ينس حتى الآن الطريقة التي تم إقصاؤه بها من المشهد. لقد كان يطمع بولاية ثانية على رأس الحكومة. لكن جميع مساعيه لتشكيل الحكومة بعد انتخابات 2016 تم إحباطُها قبل أن يتم استدعاؤه إلى القصر الملكي ليجد نفسه أمام مستشاري الملك الذين أخبروه بأن عليه أن يذهب إلى بيته ليرتاح، بينما تمت دعوة غريمه الحزبي، سعد الدين العثماني، وتكليفه بتشكيل الحكومة. وقد كانت تلك ضربة موجعة لبنكيران الذي كان قد شطَّ به الوهم بعيدا وصار يظن أنه أضحى صديقا للملك. وهو الوهم الذي لم يجد أدنى حرج في تمريره لمستشار الملك، فؤاد عالي الهمة، حينما اتصل به خصيصا ليخبره بأن أمه قالت له: “واش سولتي على صاحبك؟” (يعني الملك). غير أن كل أوهامه تكسرت على مائدة مستشاري الملك الذين وجد نفسه أمامهم مثل طفل راسب في اختبارات الحساب الذهني. والحال أن الرجل كان قد رسب في نوع آخر من الحساب الذي يسميه المغاربة “حساب الڭَاشُوش”. فقد ظل يفصل أوهامه ويخيطها على مقاس خياله المسكون ب”عفاريت وتماسيح” الاستبداد القروسطوي ليُفاجأ بأن الركب كان قد تجاوزه وأنه قد أُلقِيَ به في غيابات جُبِّ النسيان.
انتقاماً منهم جميعا، من العثماني إلى إسرائيل، مرورا بالملك، يخرج بنكيران اليوم محاولا تمرير مغالطة كبرى على الرأي العام الوطني. فهو يسعى إلى الظهور بمظهر “الشيخ” الغيور على الدين عبر معارضته لتقنين استعمال القنب الهندي انطلاقا من أنه “مسكر” وأن “كل مسكر خمر وكل خمر حرام” وأن “الخمر ما خامر العقل”. بَيْدَ أنه ينسى ـ أو يتناسى ـ أن مشروع القانون المذكور لا يهم سوى الاستعمالات الطبية والصناعية للقنب الهندي ولا يعني بحال من الأحوال شرعنة استهلاكه كمخدر. وبتمرير هذه المغالطة يمرر بنكيران رسالة ضمنية خطيرة جدا وهي أن إمارة المؤمنين تمنح الشرعية لإنتاج وبيع واستهلاك المخدرات، وأن غريمه الحزبي سعد الدين العثماني والذين معه متواطئون معها في ذلك، فيكون قد اصطدم مع الملك دون أن يصطدم معه. وهو بذلك يبتز الجميع ويساوم الجميع، ويغازل بطريقة غير مباشرة مافيات تهريب المخدرات التي هي المستفيد الأول والأخير من بقاء زراعة القنب الهندي خارج دائرة التقنين.
عملياً، فإن بنكيران يقود انشقاقا داخل حزبه وداخل الحركة التي تقف وراءه بما أن هناك من أتباع هذا وتلك مَن يؤيده ومَنْ يختلف معه. وهو يسعى في العمق إلى واحدة من اثنتين: إما أن ينجح في ابتزاز الدولة المغربية والأوساط الإسرائيلية المعنية اقتصاديا بتقنين الاستعمالات الطبية والصناعية للقنب الهندي فيحصل على رشوة ضخمة تفوق ما حصل عليه حتى الآن ويضرب صفحاً عن الموضوع، وإما أن يصبح قائدا لحشد جديد من الملتحين ومن المُساعِدات على القذف يزايد به في الساحة السياسية وفي الاستحقاقات القادمة. وهو ما سينتهي به أيضا إلى الحصول على مزيد من الامتيازات. ولذلك فلا حل لسرطان بنكيران سوى البتر. وأول البتر وقف المعاش غير المستحق الذي يتقاضاه من أموال الشعب والذي يصل إلى سبعة ملايين سنتيم شهريا. فالمعاش إياه يتأتى من الضرائب التي يدفع جزءً منها منتجو وباعة ومستهلكو الخمور ورواد الملاهي ولاعبو القمار. وعلى بنكيران أن يكون منطقيا مع نفسه فلا يعارض تقنين القنب الهندي وهو يقتات من أموالٍ يتأتى جزءٌ منها من الخمر والميسر.
أما إذا تُرِكَ الحبل على الغارب، وظل بنكيران يمارس لعبة الاستفزاز والابتزاز دون وازع ولا رادع فلا يمكن أن ننتظر سوى مزيد من القُطعان المُنقادة وراء باعة المخدرات الأيديولوجية المغلفة بالدين. وقد نستفيق يوما على خطر يهدد الكيان المغربي برمته. فلا تنسوا أن الرجل ظل يردد وما يزال بأنه لا يريد الاصطدام مع الملك. وبالتالي فهو يتحدث من موقع القادر فعلا على ذلك.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *