في وداع المستشار طارق البشري: صاحب أطروحة : نحو تيار أساسي للأمة(1)
توفي رجل الإجماع في الساحة الفكرية والسياسية المعاصرة في مصر القاضي طارق البشري، رحمه الله (1933-2021). التقيته أكثر من مرة في القاهرة وفي الدوحة. وكنت أعجب دائما في بدايات ترددي على مصر، منذ تسعينيات القرن الماضي، من شدة الاحترام الذي يتمتع به من جل ألوان الطيف الفكري والسياسي في مصر،( قوميين، وإسلاميين، وعلمانيين، ويسار) وكذا من مكونات الدولة، في عهد مبارك وبعد ثورة 25 يناير 2011. ولما بدات اتعرف عليه أكثر، وأقرأ كتبه وأبحاثه، وأتابع مداخلاته، في أكثر من مؤتمر وندوة، اكتشفت طبيعة الرجل، كما اكتشفت قيمته الفكرية. وأهم ما اكتشفته في كتبه، وفي مناقشاته التي تيسر لي حضورها، أنه كان مسكونا بالتأسيس الفكري لرابطة تواصلية بين القوى الفكرية والسياسية، في مصر، وفي البلاد العربية. وهي أطروحة : التيار الأساسي للأمة. وهي قريبة من أطروحة الجابري، رحمه الله، حول: الكتلة التاريخية، (وسأعود لاشتباكه مع الجابري في مستوى ٱخر). وبغض النظر عن مدى تفاعل القوى الفكرية والسياسية في مصر، وفي بلاد عربية أخرى، مع أطروحة ( الكتلة التاريخية) و( التيار الأساسي)، فالواقع اليوم يؤكد الحاجة إليهما، لتجاوز حالات الاحتراب بين المكونات، وحالات التفكك التي يتعرض لها الواقع السياسي، وحالات التدمير الذاتي التي تتعرض لها مكونات سياسية كثيرة، مع قطيعة فكرية وتواصلية بين هذه المكونات بما ينذر بنتائج أسوء في المستقبل. كل هذا يؤكد أن وفاة المستشار طارق البشري خسارة فادحة لحياتنا الفكرية والسياسية، وعزاؤنا فيه هو الرجوع إلى أطروحته الجدية: نحو تيار أساسي، وكذا الإطلاع على سيرته الفكرية والمهنية؛ فهي مملوءة بالدروس والعبر، للمفكرين وللسياسيين، ولرجال الدولة، وللقضاة وللمستشارين ولرجال القانون.
تخرج المستشار طارق البشري من كلية الحقوق، وكان ابن أسرة عالمة؛ كان جده سليما شيخ جامع الأزهر، وأبوه عبد الفتاح سليم رئيس محكمة الاستئناف، وعمه عبد العزيز، كان أديبا مشهورا، لقبه عميد الأدب العربي طه حسين ب( الجاحظ الصغير). أخذ من جده صرامة الموقف في الدفاع عن استقلالية الأزهر ضد محاولات الخديوي عباس حلمي الثاني في التعيينات، فقدم استقالته. وظل القاضي البشري يحتفظ بعباءته حتى بليت بين يديه!! وتعلم من أبيه صرامة الممارسة المهنية في القضاء. وكتب كتابا في استقلال القضاء بعنوان: القضاء المصري، بين الاستقلال والاحتواء.
درس في كلية الحقوق على شيوخ البحث في الشريعة: عبد الوهاب خلاف، ومحمد أبو زهرة، وعلي الخفيف، وتعمق في تكوينه الفكري والأكاديمي الربط بين الشريعة والقانون الوضعي. وقدم أطروحات فكرية في الربط التكاملي بين مقاصد الشريعة وفروع القانون، وهي أطروحات تدخل في مايسميه المستشار طارق البشري، ب: الاستقلال الحضاري، والتجدد الحضاري؛ خصوصا في: القانون الدستوري، والقانون الإداري، والقانون المدني، والقانون الجنائي. وهذا مانجده في كتبه: التجدد الحضاري: دراسات في تداخل المفاهيم المعاصرة مع المرجعيات الموروثة، و: الوضع القانوني المعاصر، بين الشريعة الإسلامية والقانون، و: السياق التاريخي لتقنين الشريعة الإسلامية…
ولم يمنع العمل المهني طارق البشري، باعتباره قاضيا، عين في مجلس الدولة وهو ابن الثانية والعشرين، وأصبح نائبا للرئيس، ورئيسا للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع لسنوات، من العمل الفكري، وكذا الاهتمام بالفكر السياسي على الخصوص. بل انفتح على حقول معرفية، أغنت خلفيته القانونية؛ وهي: التاريخ، والفلسفة، والفكر السياسي، والاقتصاد… ويجسد، بحق، القاضي المفكر، بتعبير صديقنا الدكتور إبراهيم بيومي غانم، في الكتاب الذي حرره، بمناسبة الاحتفال بنهاية الولاية القضائية للمستشار طارق البشري. كما كان قاضيا قريبا من الحياة السياسية المصرية، ومن كل مكوناتها، ولكنه على مسافة واحدة من جميع الأطراف، مما أكسبه احترامها، واعتباره من حكماء الحياة السياسية المصرية، لذلك أجمعت عليه مكونات الثوار والدولة( الجيش) أيام ثورة25 يناير2011، وأسندت إليه رئاسة لجنة تعديل الدستور المصري. ولم يمنعه هذا من الانحياز لمطالب الثوار، ومعارضة انقلاب الجيش، وفض اعتصام رابعة العدوية بالقوة، ودفع مصر إلى حالة غير مسبوقة من الانقسام، ومن العنف السياسي. وفي هذا السياق كان مشغولا جدا ببلورة أطروحة فكرية تجمع القوى السياسية والثقافية والاجتماعية على أرضية مشتركة أساسها: المشروع الوطني.
(يتبع).

