قدحي على خصر غيمة تخاف الريح
في مواسم شتاتي ؛ الأرض تستعد لأكاذيب المطر ، فينكر الزهر تلف الجذور ، و لا ينبت به إلا خيالا به اتصفح دار القمر بمدينة مبتورة المرح ، و أبحث عن وجهها المملوء بملامح الدّجى ابتسامة من ندى العشق و سندا كانت و بلسما لِما ألمّ بالقلب من غرابيب حزَن مصفّى .
هي ما بقي من فسحة روح تستنهض الهمم لعل حروف عمري تعاند الظنون … و ترحالها و غضبها و رونق الهروب و هوس القلب و مذكراتي و أعطاب الذاكرة و الخيال و الأتاي من قدح عتيق هويتي …
قبل خيالين و شهيق و نفَس متقطع عميق تعلّقت الروح برموش نكهتها حتى أطاحني الجرح خارج محراب الشوق . بعد خيالين صباحيُُّ و مسائي و مطر يتيم يشاركني الإغتراب على طول مساحات الظمإ الثقيل ؛ لقد أصبحت ذاكرةً خارج عرف التاريخ ألملم أسرار الأرصفة و الزوايا المقمرة و أرسم شظايا شغبي على زنود وحدتي خارج واحات الصمت و دون عشق .
لستُ متهما سوى من هذا الدم يسيل على جسد الشذرة ، أذبح كل أحزان المجاز بروح باردة و لا يرف لي هوس في كنف الليل و لا تفهمني القافيات الرائدات كأيقونة الكمانجات . على ضفاف النبض مزّقتُ شرايين الحرف بمخالب الجفاء و على سدرة الحِبر ينامني الليل . لم تعد الذاكرة تتحمل تعب تحرش النبضات ، و لا سبيلا لضربات الودع مخملية ، خمشتُ أطراف ملامحها ؛ حزينة ، جبانة ، مترددة ، كئيبة .. كالنسيم في فيافي الفراغ . و لكنها كنوميديا في شموخها باتت رغم سياقات الضجر و أراها تعاند نخوة الأكرمين و تكابد مترنحة أشلاء العناق . حرفها كحرف الشذرة معتّقة بحنين الحكايا و كل الأمسيات تحضرها على حضوة قدحي و الأتاي يُسربل ممشوقا كل مُناي . تدحرجت كلماتي بجدران اللهفة فنامت وحيدة لا يسبقها سيل كواعبها كفنيقيا في يوم زفافها و لا يلحقها حرف يتحرش بحواسها الملائكية .. و يستفيق الحرف بحضنها ثائرا على مكر اليومي .
أجل أنا من صنع مجزرته بالقلم و ن و القلم و ما يسطرون . ماذا تنتظرون من قلب ضاق الحرف به حتى نسي يوم موته قبل يوم الولادة الشاقة على أرخبيل المتاهات الريفية بمحاذاة الضياع . لعمري لقد باع حُلمه على أول الوطن و راح يحبو بعد أن تخلت عنه ملاحمه و البطولات الجاريات في الذاكرة . لقد تيقن أن الوصول فكرة عتيقة الهزيمة و أن الوطن مثل العشق وليمة لغير الجائعين .. عاف مواويله مذ تيقّن أن الجرح لا يخبئ في صدره الحلم مهما تلبّدت مساءاته . و ها هو يرسم من جديد طلاسيم النبض على كفوفه و راح يتبختر مثل شذرة مجروحة و مثل كلام الناي يرسم الجداريات على مسام القلب .. يهوى حتى لا يرى في الشوارع المثخنة بالمشردين و على أرصفة الوطن وجوه المجروحين تكالى على عتبات البرد يتنطّع بلا أنشودة الرِّفق .
ألف مرة أجل لست بريئا من هذا الدم على جراح الشذرة تتحمّلني عن تعبي ، و ما بقي مني يعمق ذنوّ قدحي ؛ عمر عمري ، تجاعيد الأمسيات ، شفاه الفجر و الصبا ، تلكؤ الظنون ، خيبات العشق ، حماسة الطفولة ، فيافي الحرف ، و كل ما لدي على شفاه الشغف المتمرد الجميل دبحتُ القرابين على صدر النشوة لثمة لثمة شظايا القلب حتى نزل المطر دمعا يؤنس وحشة الأحشاء و الديار و الأسوار البالية و هذه الأحشاء مزّقت كل مفاهيم الجغرافيا و مُحددات التاريخ و قوافي القصائد حتى أصبحت المذابح عندي بلا عناوين ..
لقد خدشتُ حياء الأحزان و شجن الصمت و انتظرت سقوط ملامحها على أرض الشذرة تصنع كل مجازري و هجرتُ نحو عتمة الليل أحملق في ماذا جرى ؛ و هجرتني الكمانجات بعيدا بعيدا عن الصُّبحيات الجاثيات .. و لا أزال أواصل عن بِكرة اغترابي المسير على يميني الأمسيات و على شمالي الذكريات و خلفي ألف شذرة أقتلها في المخاض لأنني رجل يشحد همّة النسيان ليغتال الذاكرة لعل تعبه يصير كالشاهدة تؤرخ فقط للزائرين على شرف السفر نحو الوجهة الأخرى و كفى بالحرف وكيلا ..

