أسرار حركة 20 فبراير ورجالها: جماعة العدل والإحسان من دار الخلافة إلى دار الانتكاسة بباب الأحد (الحلقة الأولى)
الحراك العربي لم يكن له إلا وجه واحد “الدين ورجال الدين”، والجزيرة شاهد ناطق مرئي أبدي: جمعة الحراك، جمعة الحسم، جمعة الحرائر، جمعة الرحيل، جمعة التضامن. الهدف المرحلي لم يكن إلا موعدا أسبوعيا يوم الجمعة، وفرسان الحراك لم يكونوا إلا خطباء الجمعة ومرجعهم في الجزيرة واحد لا كلمة فوق كلمته، إنه يوسف القرضاوي، وقتها رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والجزيرة التي استوى على عرشها وضاح خنفر في يوم من أيام الانتكاسة بعد انهيار نظام صدام حسين.
استطابت جبة الإخوان المسلمين، ولم يكن مبعوث الجزيرة في الأقبية التحتية لميدان التحرير في القاهرة إلا أحمد منصور، صاحب برنامج “شاهد على العصر”، لقد تنازل عن دور الشاهد وتحول إلى صانع للحدث، بحكم أنه مصري ابن مصري، اضطره انتماؤه إلى الإخوان المسلمين إلى اللجوء إلى قطر، حيث تجنس بجنسيتها ونال حظوة جزيرتها.
كل الظروف مواتية لكي تصبح العدل والإحسان فاعلة في الحراك المغربي، المغرب مليء بالساحات العامة، والجزيرة لا تقتات إلا من صور جند العمائم في الشوارع العربية، فكيف عاشت العدل والإحسان الحراك؟ كيف دخلتْ ولماذا خرجت؟
منذ معركة الرؤى في 2006، والجماعة تعيش أزمتها في صمت لقد كانت الجماعة تراهن على تحقق رؤيتها في إقامة الخلافة في 2006، لكن مر العام كاملا والجند في وضعية ترقب بأعناق مشرئبة إلى السماء ولم يحدث أي شيء، المنامات لم تكن بشرى بل كانت حلما لم يتحقق، عاشت الجماعة انتكاسته في صمت رهيب ودخلت معه في رتابة الجلسات التكوينية لجند الخلافة، الذين بدأوا يتساقطون ولم يعودوا منضبطين في الحضور والمساهمات المالية الشهرية (المشاهرة)، وبمجرد ما طرح يوم الخروج للحراك، ظهر لبعض النابهين أن بشائر 2006 يمكن أن تتحقق مع الحراك العربي في 2011، الجماعة لم تدخل الحراك إلا في آخر لحظة لدرء انتكاسة 2006 أولا، والبحث عن موقع الريادة في مغرب الغد ثانيا.
عندما استقر رأي مجلس الإرشاد على خوض الحراك، لم تجمع الجماعة برلمانها إلا يوم 19 فبراير، الكل متحمس، إنها هبة من الله، الجميع يريد أن تتحقق نبوءة الشيخ، لقد بدأت تباشير الخلافة على منهاج النبوة.
إنها أول معركة تدخلها الجماعة بدون غوص شيخها في التفاصيل، فمنذ استقراره في فيلا السويسي في الرباط بعيدا عن صخب المستضعفين في سلا، كان شيخ العدل والإحسان (رحمه الله) يعيش بعيدا عن التسيير اليومي للجماعة ولا يهتم بتفاصيل قراراتها، لقد تراجع تأثير مؤسسة المرشد العام عما كانت عليه الأمور من قبل عندما كان الشيخ يتحكم بزمام الأمور، لكن بعد تراجع الإشراف اليومي لمؤسسة المرشد العام، عظم تأثير كبير الصحابة، مدير مكتب المرشد العام عبد الكريم العلمي عضو مجلس الإرشاد، الذي لم يعد كلامه رأيا شخصيا بل وحي يوحى.
عبد الكريم العلمي لا زال شابا مقارنة بشيوخ الإفتاء داخل مجلس الإرشاد، وتنقصه حنكة الراسخين في العلم، لكن قربه ومعايشته اليومية للشيخ جعله أهم رجل في الجماعة خصوصا في القرارات الاستراتيجية، لهذا كان رأيه حول دخول الحراك الرأي الأرجح، إنه وارث سر المؤتمن على الخلافة، فحتى مؤسسة الأصهار والذرية تراجعت في التأثير داخل الجماعة لفائدة مدير مكتب المرشد العام، إنه يميل الكفة حيث يشاء، وشاء قبل 19 أن تدخل الجماعة الحراك.
قرار الجماعة في الدخول تكلف بتصريفه شباب الجماعة، وشباب الجماعة لا يمثلهم ولا يتحكم فيهم إلا حسن بناجح، مدير مكتب الناطق الرسمي باسم الجماعة، وأهم قطاع داخل الشباب هو القطاع الطلابي، الذي كان يشكل القوة الضاربة للجماعة أيام التسعينيات.
الجماعة نزلت بالشباب حتى لا تتعرض لانتكاسة جديدة شبيهة بانتكاسة الرؤى، فإذا فشل الحراك فهو حراك شاب لم يدخله إلا شباب الجماعة، وإذا ظهر أنه حراك واعد، فإن الجماعة ستنزل بكل ثقلها من أجل التحكم في المسار.
قطاع الشباب الذي تعول عليه الجماعة داخل الحراك هو أصلا القطاع الذي تتصادم به الجماعة مع الأطراف الأخرى داخل الجامعة وخارجها، إنه مظهر من مظاهر الهيمنة الذي اسْتَعْمَلَتْهُ الجماعة من أجل تطهير الجامعة من كل الألوان السياسية الأخرى، وعوض أن يلعب قطاع الشباب دور القاطرة للتغيير، أصبح هو جزء من أزمة الثقة بين الجماعة وباقي الأطياف السياسية.
استراتيجية الإبقاء على الشباب في الواجهة منذ اليوم الأول، لم تعط أكلها لهذا قررت الجماعة النزول بكل ثقلها، وهكذا صدرت الأوامر إلى مجموع الجند بالنزول في مسيرات 20 مارس 2011 ولم يستثن منها إلا الكهول والعجزة والنساء الحوامل والأطفال، إنه يوم الاستعراض لقوة الجماعة وقدرتها على تعبئة الجماهير.
لقد شكلت بحق مسيرات 20 يوما استثنائيا اختبرت فيه كل الأطراف قدرتها على التعبئة، ومساء نفس اليوم عاد الناس إلى بيوتهم بعد يوم كامل من التنفيس.
الجماعة كانت الأقوى، لقد شكل حصيصها ما يقارب 90 في المائة من المشاة، لقد تحكمت في التنظيم واللوجستيك والتأطير والقرار، هي التي تبدأ المشي وهي التي تختم المشي بطريقتها.
هذا الانتصار على الخصوم على الأرض لم يكن إلا معنويا، لأن الجماعة لم تعبأ إلا ما لديها وحتى أنصارها تضاءلت أعدادهم، وكان لا بد أن يكذب الأتباع حول الحصيص. وفي كل المدن الرقم لا بد أن يتم تضريبه في عشرة حتى لا يعرض الأتباع أنفسهم إلى غضب القيادة، وهكذا كانت تقارير الأحد 20 مارس موغلة في النفخ مما جعل القيادة تبني مواقفها على عناصر تقييم مغلوطة سرعان ما يظهر زيفها عندما يبدأ التقييم والتساؤل حول غياب الشعب.
يتبع…..

