سري للغاية

سري للغاية

في الوقت الذي نسمع فيه بالتدابير الوقائية واحترام التباعد الاجتماعي والتفويج في الوحدات الصناعية، هناك عمال وعاملات تعتبر أرواحهم رخيصة، نفوس لا تتوفر على أدنى شروط الحياة الكريمة ولا تحترم حقوقهم الاجتماعية.
ليصبح المغاربة على دوي خبر نزل كالصاعقة على قلوبنا، بعد وفاة ثمانية وعشرون عاملة بمصنع غير مرخص بمدينة طنجة.
القول بأن هذا المصنع سري لا يعدوا كونه در للرماد في العيون، فالأصح أن يسمى مصنع غير مرخص أو غير قانوني، لأنه لا يحترم الإجراءات الجاري بها العمل في مثل هذه الحالات التي تتعلق بوحدات صناعية يجب أن تحترم معايير الصحة والسلامة، للحفاظ على أرواح العاملين وإنصافهم من الحيف والعبودية، في ظل جشع أصحاب هذه الوحدات وسكوت السلطات.
القول بأنه سري يبقى مجرد شماعة يعلق عليها تقصير السلطات المحلية في التعامل مع هذه الوحدة الصناعية الغير مرخصة، لأن المسؤولية يتقاسمها صاحب المشروع مع السلطات المحلية من المقدم إلى الوالي، كل حسب مسؤوليته واختصاصه، فصاحب الوحدة الصناعية عليه أن يتحمل مسؤوليته التقصيرية في وفاة هذه الأرواح، لأنه كدسهم في قبو فيلا، مع العلم أن القانون يمنع استعمال المبنى تحت الأرضي في الوحدات الصناعية والمهنية، لأنه لا يتوفر في الغالب على معايير السلامة والتهوية، الشيء الذي يمكن أن يتسبب في كوارث لا قدر الله.
ومسؤولية السلطة المحلية قائمة بقوة لأن هذه الوحدة الصناعية ليست وحدة سرية بقدر ما هي وحدة صناعية غير قانونية بمباركة من السلطات المحلية، فإذا افترضنا أن الوالي والباشا والقائد لا علم لهم بهذه الوحدة، فهل يمكن أن يغفل عنها المقدم والشيخ الذين يراقبون الشوارع والأزقة ليل نهار وما إن تضع أول قطعة بناء أو ترميم أمام بيتك حتى تجد الخبر في علم السلطة المحلية، في بلد نقول فيه أن عيون السلطات لا تنام، ناهيك عن مساعدة العساس ومول الضيطاي وغيرهم.
الأكيد أن العمل بهذه الوحدة كان باديا للعيان انطلاقا من عدد العمال الذين لا يمكن أن يتسللوا خلسة للعمل بهذه الوحدة دخولا وخروج، والأكيد أن السلع تدخل خام وتخرج بشكل يومي من المكان، بعد تصنيعها، وقبلها دخلت الألات التي تستعمل للنسيج، ومن المفروض أن يكون هذا النشاط علني وبمرأى ومسمع من الجميع.
إذا افترضنا أن هذه الوحدة سرية وبدون علم السلطات، ألم يكن من الممكن أن تكون وحدة لتصنيع القنابل والمتفجرات يدخلها العشرات من العمال يوميا ومواد أولية، قابلة لتفجير بلد.
الأصل أن نسمي ما وقع تقصير من طرف السلطات المحلية، عن طريق غض الطرف وتعاون مع متهرب من القانون ومن الضرائب ومن المسؤولية الاجتماعية، لأنه من المؤكد أن العاملات لا تتوفرن على تغطية صحية أو تقاعد، لأنهم غير مسجلين بصندوق الضمان الاجتماعي، ليسقطوا ضحية مؤامرة بين مستثمر جشع وبين ممثل للسلطة مرتشي. ضحايا هذا الحادث المؤلم نساء اخترن الحلال للحصول على لقمة العيش من خلال القبول بعمل لا يتوفر على أدنى متطلبات الكرامة الإنسانية، بحيث لا يمكنهم المطالبة بأدنى حقوقهم كأجراء.
أظن أن هذه هي المواضيع التي يجب أن تنشغل بها الجمعيات الحقوقية والنسائية بدل الدفاع عن الحريات الجنسية، في بلد لا تتوفر فيه العدالة الاجتماعية، وذلك من خلال الاستماع للنساء المكدات في الوحدات الصناعية التي تغتصب حقوقهن ليل نهار أمام الجميع وبمباركة السلطات.
حدث كالذي وقع بطنجة لا يجب أن يمر مرور الكرام، حدث يجب أن يمحوا ما سبقه من انتهاك لحقوق الإنسان وكرامته، إذ يجب على السلطات المحلية القيام بواجبها في مراقبة هذه الوحدات الصناعية سواء المرخصة أو الغير مرخصة، مع تعزيز مراقبة مفتشي الشغل ومفتشي الضمان الاجتماعي، للحد من الحيف الذي يطال العمال بهذا البلد، ويجب أن يتم محاسبة كل من كانت له يد في هذه الواقعة سواء كفاعلين أصليين أو ساكتين على ما يقع مقابل رشاوي أو امتيازات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *