في سؤال المدينة / ” البوليس ” ؛ تأملات في ميتافيزيقا التراب ..
إن المدينة في كتاب السياسة لأريسطو كانت تعاني من وضوح إشكالية إرتباط السياسي بالأخلاقي . و لا يتاح توضيح العلاقة بينها من دون استحضار واقعية المواطن و واقعية التربية في تحديدهما للإنسان و وعلاقته بالعدالة و القانون في المدينة . كما لا يمكن تفكيك تبعية الأخلاقي للسياسي إلا ببيان واقعية التصورات الأرسطية للمدينة من خلال النظر في موقع أرسطو و فلسفته السياسية داخل تاريخ الفلسفة السياسية عموما ، مؤكدين على أسبقية أرسطو في تحديد مفهوم السياسة من خلال تشريعه لواقعية الحكم و لواقعية الإنسان و لواقعية الخير و السعادة إنطلاقا من إيمانه بالذكاء الإنساني و قدرته على تأسيس الإجتماع . و نسجل أن أرسطو في مطلع كتاب السياسة يشير إلى أن الإجتماع الإنساني داخل المدينة يتخذ الخير كغاية له . فالمدينة و الإنسان و الفضاء السياسي فضاءات عميقة للتفكير ، حيث أن الفكر السياسي نجح في ضحد ” لا سياسة ” السابق تاريخيا ، و أساسا الأفلاطونية التي تدّعي حيازتها للسياسة و للوجود ، فكانت الأرسطية بحق معلنة في خطابها السياسي على إنسان جديد بفضل جدارته في تعيين السياسة مدخلا لعقلنة الإجتماع . و العقل السياسي عند أرسطو هو عقل مدرك للإجتماع خارج ادعاء فردية المفارقة التي حاول أفلاطون أن يؤسسها إنطلاقا من إصراره في مثنه ” الجمهورية ” على اعتبار الفيلسوف هو الحكيم و هو السياسي و هو ما جعل مدار المدينة يدور حول الفيلسوف الحكيم و الشجاع الذي حبته الطبيعة و اختاره القدر لحكم المدينة .
إن أرسطو في فهمه للمدينة لا ينفي عن المدينة واقعيتها و واقعية منتجاتها ، فالأفراد يعيشون الإنسجام لأنهم أدركوا طبيعتهم ، و هذه الطبيعة لا يمكن أن تتناقض مع الإجتماع ، و لا يمكن أن تعتبر نقيضة للسياسة و للأفراد مثلما حاول طوماس هوبس أن يعين الإجتماع كحالة مناقضة للطبيعة بوصفها حالة عدوان تفترض تهذيبها في المجتمع السياسي . إن الأرسطية كانت أولى محاولات تأسيس السياسي في واقعيته و في واقعية غايته الأخلاقية . إن الذكاء الإنساني ينفتح على عالم جديد يبوِّب الإنسان و السياسة منزلة أرضية لم يستطع سوى فريدريك هيغل فهم عمقها و عمق إنسانها ، فما شوهته التصورات السياسية مع هوبس باعتبارها فصلت بين حالة الإجتماع و حالة الطبيعة ، ينقذه هيغل بعودته إلى مُعاينة هذه الحالة و محاولة التعبير عنها داخل صيرورة التاريخ .
إن أرسطو لم يغير وجه أثينا لأنه ليس حاكما ، و لكنه قد يكون غيّر منطق السياسة و منطق المدينة و منطق الإنسان و منطق الغايات باعتباره يؤسس الإجتماع ضمن واقعية قد يكون هيغل هو أول من فهمها و تنبّه لعمقها .
مدخلات أرسطية حول المدينة :
+ العناصر المادية للمدينة بيانات السكان و المساحة .
+ أهمية المواطن في تحديد هيئات المدينة من خلال التمثيلية في الهيئات الإستشارية و القضائية و الحاكمة ( المشاركة = الديموقراطية التشاركية التمثيلية ) .
+ أهمية التربية في تأهيل المواطنين لحياة المدينة / من الطبيعي إلى الثقافي .
+ الجانب الغائي من المدينة هو الجانب الأخلاقي كبعد ميتافيزيقي للمدينة ، و هو ما تبيّن بعمق في مثون أخرى مثل ” أخلاق نيكوماك ” و ” أخلاق أودام ” و كتاب ” الميتافيزيقا ” و ” النفس ” .
+ أهمية الخير في تحديد مضمون المدينة كتجل أخلاقي لميتافيزيقا المدينة .
+ علاقة الخير بالسعادة بالمدينة كفضاء عمومي يضمن سيلان قيم الفضيلة = الحكامة الجيدة .
+ إعتبار عدالة المدينة قائمة على معرفة حكامها بالنفس و قدراتها الطبيعية ، لا من جهة واقعية التربية بل من جهة أسبقية النفس و الخير و السعادة على الإنسان و الإجتماع ، أي أن حياة المدينة كانت علما بالمفارقة ، و العلم بالمفارقة يجعل السياسة لا تتأسس على واقعية الحياة السياسية بل تتأسس على منطق ميتافيزيقي للإنسان و للعقل و للوجود المدني .
+ واقعية المدينة هي واقعية العصر الذي استنتج منه أرسطو مدينته من جهة نقده لتاريخ أثينا السياسي و لتاريخ الفكر السياسي عامة / الوعي التاريخي .
+ خيرية المدينة و أسبقية المدينة على الأفراد و طبيعتها لا تنفي وِجهتها الواقعية ، على اعتبار أن الوحدة و الإنسجام الأخلاقي لا يتحققان إلا داخل المدينة و داخل الممارسة السياسية ، و التي هي سبق واقعي للمدينة / ماهية المدينة .
+ واقعية المدينة تفترض أولوية السياسي على الأخلاقي . حيث كان السياسي قبل أرسطو محكوما من قِبل الأخلاقي ، و بذلك ظل أرسطو أول من أسس السياسي بحكم أنه هو علم بانسجام الأفراد داخل الإجتماع و ليس خارجه .
+ إن هيغل هو الوحيد الذي فهم عمق تجربة السياسي عند أرسطو و واقعية مدينته ، باعتبار أن تطور المدينة من الأسرة إلى القرية كان منطقيا طبيعيا ، و لكنه كان فعلا إنسانيا يكشف عن تطور تاريخي للإجتماع . لوحدة الإنسان لا تتأسس إلا في المدينة ، و هذه المدينة بحاجة إلى الزمن ، و الزمن لم يهمله أرسطو ، بل إستطاع أن يوحي به باعتبار أن المدينة تشكل نهائي لتطور الأفراد و ضروري لها . و هو ما يذكرنا بالدولة الهيغلية و هوية تكونها باعتبارها ناشئة عن تطور العلاقة بين الإنسان و بين الوجود و الذي لا يكتمل إلا عبر التاريخ وصولا للدولة التي تتحقق فيها مصالحة الأفراد مع ذواتهم و مع أجزاء الوجود السياسي . إن المدينة / الدولة عند أرسطو هي أولى الإعترافات بتاريخية الإنسان و بواقعية الإنسان و بواقعية السياسي .
إن المدينة هي نتاج للذكاء الإنساني ، هذا الذكاء الذي يؤسس المدينة اعترافا بمكانة التربية التي أفرزته و الذي بوّبته الحكم في المدينة . فالعقل يبسط سُلطانه على الوجود السياسي لا من جهة التسلط و لكن من جهة العلم بأحوال الوجود السياسي و المدني.

