المغرب في مجلس السلام: بين الواقعية السياسية ورهانات حل الدولتي
في خضم التحولات المتسارعة التي يعرفها الشرق الأوسط، برز الدور المغربي من جديد ضمن ما يُعرف بـ”مجلس السلام”، في سياق يتسم بتعقيد غير مسبوق عقب الحرب الدموية التي اندلعت في أكتوبر 2023. هذا الحضور المغربي لم يكن حدثاً معزولاً أو ظرفياً، بل جاء امتداداً لخط سياسي ودبلوماسي متجذر في الرؤية الاستراتيجية للمملكة تجاه القضية الفلسطينية.
لقد أكد محمد السادس، في أكثر من مناسبة، أن السلام العادل والشامل يظل الخيار الوحيد القادر على ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة. ومن هذا المنطلق، جاء دعم المغرب للجهود الدولية الرامية إلى إعادة إعمار غزة، معتبراً أن إعادة البناء ليست مجرد عملية هندسية أو مالية، بل مدخل أساسي لإحياء أفق سياسي حقيقي.
وفي السياق ذاته، أعلن المغرب دعمه لجهود دونالد ترامب المتعلقة بإعادة إعمار غزة، ضمن مقاربة توصف بالبراغماتية، تستحضر ضرورة الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الحل. ورغم الجدل الذي يحيط بمواقف الإدارة الأمريكية السابقة من القضية الفلسطينية، فإن المغرب اختار أن يتعامل بواقعية سياسية، واضعاً نصب عينيه مصلحة الفلسطينيين واستقرار المنطقة.
إن مساهمة المغرب المبكرة ضمن الدول السبع الأولى التي دفعت مساهمتها في مجلس السلام تعكس إرادة سياسية واضحة في الانخراط الفعلي، لا الاكتفاء بالمواقف الرمزية. غير أن الدعم المالي، مهما بلغت أهميته، يظل مشروطاً بتوفير الأمن وضمان وقف دائم لإطلاق النار، حتى لا تتحول مشاريع الإعمار إلى مجرد ترميم مؤقت في دورة عنف متجددة.
لقد ظل المغرب، منذ عقود، فاعلاً أساسياً في الدفاع عن القدس، من خلال رئاسة لجنة القدس، وهو التزام يتجاوز الحسابات الظرفية. إن الحديث عن 65 سنة من الدعم المتواصل ليس خطاباً عاطفياً، بل هو تعبير عن استمرارية مؤسساتية في التعاطي مع القضية الفلسطينية باعتبارها جزءاً من الثوابت الوطنية للمملكة.
غير أن المرحلة الراهنة تفرض أسئلة نقدية مشروعة: هل يكفي الدعم المالي والدبلوماسي لإحداث اختراق حقيقي في مسار السلام؟ وهل يمكن لمقاربة إعادة الإعمار أن تنجح في غياب أفق سياسي واضح قائم على حل الدولتين؟
إن الرهان الحقيقي يكمن في الربط بين إعادة الإعمار وإطلاق مسلسل سياسي جاد، يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. فالإعمار دون أفق سياسي قد يُنتج استقراراً هشاً، سرعان ما ينهار أمام أول توتر أمني.
ومن هنا، شدد المغرب على ضرورة إشراك الفلسطينيين، من خلال مؤسساتهم الشرعية، في أي مسار تفاوضي أو ترتيبات مستقبلية تخص غزة. فاستبعاد الفاعل الفلسطيني من هندسة الحلول سيؤدي إلى تعميق أزمة الشرعية، ويُضعف فرص نجاح أي مبادرة دولية.
إن مقاربة المغرب تجمع بين الواقعية السياسية والالتزام المبدئي. فهي لا تنخرط في مزايدات خطابية، ولا تنفصل عن المرجعية الدولية، بل تحاول أن توازن بين الدعم الإنساني والضغط من أجل تسوية سياسية عادلة.
كما أن دعم مجلس السلام في مجالات الأمن والصحة وتعزيز ثقافة التسامح والتعايش يعكس فهماً شاملاً لمفهوم السلام، باعتباره عملية متعددة الأبعاد، تشمل إعادة بناء الإنسان إلى جانب إعادة بناء الحجر.
لكن من الضروري التنبيه إلى أن أي مشروع لإعادة الإعمار يحتاج إلى ضمانات دولية حقيقية تمنع عودة دوامة العنف. فالسلام لا يُبنى فقط بالإسمنت، بل بإرادة سياسية جماعية تعترف بحقوق الشعوب في الحرية والكرامة.
إن دعوة جلالة الملك إلى إطلاق مسلسل حقيقي للسلام في الشرق الأوسط تمثل نداءً لإعادة الاعتبار للشرعية الدولية ولمبدأ حل الدولتين، باعتباره الإطار الأكثر قابلية للتطبيق، رغم كل التحديات.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة التحرك المغربي باعتباره محاولة لإعادة توجيه النقاش الدولي من منطق التدبير الأمني الضيق إلى منطق التسوية الشاملة. فالأمن المستدام لا يتحقق إلا من خلال عدالة سياسية تضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
إن المغرب، من خلال هذا الانخراط، يسعى أيضاً إلى إبقاء الصوت الفلسطيني حاضراً داخل المنتديات الدولية، وتفادي أن يتحول الفلسطينيون إلى موضوع تفاوض بدل أن يكونوا طرفاً فاعلاً فيه.
وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية الهادئة التي تنتهجها الرباط، والتي تراهن على بناء التوافقات بدل صناعة الاستقطابات.
غير أن التحدي الأكبر يظل في مدى استعداد القوى الكبرى لتحويل التعهدات إلى التزامات ملزمة، تُفضي إلى إنهاء الاحتلال وفتح أفق سياسي مستدام.
فمن دون معالجة الجذور العميقة للصراع، ستظل كل مبادرات الإعمار معرضة للانتكاس.
إن التفكير في مستقبل غزة ينبغي ألا ينفصل عن التفكير في مستقبل القضية الفلسطينية ككل.
كما أن أي رؤية سلام تتجاهل البعد الإقليمي للصراع ستظل ناقصة.
إن المغرب، في هذا الإطار، يقدم نموذجاً لدبلوماسية تجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل.
وهو نموذج يستحق القراءة النقدية الهادئة، بعيداً عن الانفعالات.
فالدعم المالي خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية المطاف.
والتحرك الدبلوماسي ضروري، لكنه يحتاج إلى بيئة دولية مواتية.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تشكل إعادة إعمار غزة مدخلاً لإحياء حل الدولتين، لا بديلاً عنه.
إن السلام الحقيقي لا يصنعه طرف واحد، بل تبنيه إرادة جماعية تتقاطع فيها المصالح مع القيم.
والمغرب، في لحظة إقليمية دقيقة، يحاول أن يكون جزءاً من هذه الإرادة.
فهل تنجح هذه المقاربة في تحويل لحظة الألم إلى فرصة تاريخية لإطلاق مسلسل حقيقي للسلام؟
ذلك سؤال مفتوح على المستقبل، وأفق للتفكير.

