قضية “ولد الفشوش”: حين تتحول قرينة البراءة إلى متهم إضافي
بقلم : بوشعيب نجار
منذ أن تفجّرت قضية ما بات يُعرف إعلاميًا بـ“ولد الفشوش”، لم يعد النقاش العمومي يدور فقط حول جريمة هزّت الرأي العام وراح ضحيتها الشاب بدر، رحمه الله، بل انتقل بسرعة مقلقة إلى محاكمة اجتماعية وإعلامية استبقت القضاء، وأصدرت أحكامها الجاهزة قبل أن يقول القضاء كلمته الفصل.
ففي لحظة انتشار الفيديو الموثق بكاميرات المراقبة، تحوّل الرأي العام، مدفوعًا بزخم وسائل التواصل الاجتماعي، إلى ما يشبه “قضاة الشارع”، حيث جرى تثبيت صورة نمطية للمتهم أشرف، لا باعتباره شخصًا يُشتبه في تورطه في واقعة جنائية تخضع للبحث القضائي، بل باعتباره “ابن رجل أعمال”، وهو ما جعل التهمة تتجاوز الفعل إلى الخلفية الاجتماعية، وتُحمَّل أكثر مما تحتمل الوقائع.
والحال أن المبدأ القانوني الراسخ، الذي لا يقبل النقاش ولا التأويل الانتقائي، هو أن الأصل في الإنسان البراءة، وأنه لا يمكن إصدار أي حكم قبل استكمال البحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، واحترام جميع ضمانات المحاكمة العادلة. فالقضية، إلى حدود اللحظة، لا تزال معروضة أمام القضاء، وأي حديث عن الإدانة أو البراءة خارج هذا الإطار يبقى مجرد انطباع أو موقف عاطفي.
صحيح أن الفيديو المتداول وثّق لحظة اعتداء، غير أن تحويله إلى دليل إدانة نهائي، دون مناقشة سياقه، ودون استحضار التناقضات المسجلة في محاضر الضابطة القضائية، واختلاف روايات بعض الشهود، يُعد اختزالا خطيرا لمسار العدالة، وضربًا لقاعدة جوهرية مفادها أن الدليل يُناقش داخل المحكمة لا على منصات التواصل الاجتماعي.
الأخطر من ذلك، أن هذا الملف عرف منذ بدايته موجة غير مسبوقة من السب والقذف، وتشويه السمعة، ونشر صور المتهم والتشهير به، في خرق واضح لمقتضيات القانون، وفي مساس مباشر بحقوق الدفاع وقرينة البراءة، وكأن الانتماء الطبقي أصبح قرينة إدانة، وكأن العدالة لا تُطبق إلا على الضعفاء.
إن ما يبعث على الاطمئنان، في خضم هذا الضجيج، هو أن القضاء المغربي، بما يتمتع به من استقلالية دستورية، وبما خوله له القانون من صلاحيات، يبقى الجهة الوحيدة المخول لها احتضان هذا الملف والبث فيه، بعيدا عن ضغط الشارع، وبعيدا عن العناوين المثيرة، وبمنأى عن الحملات الرقمية التي اختارت الإدانة طريقا وحيدا دون انتظار ما قد يُسفر عنه التحقيق من معطيات جديدة.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم:
هل سيتم تفعيل قرينة البراءة في حق المتهم أشرف كما ينص عليها القانون؟ وهل سيتم تفسير الشك، إن وُجد، لفائدته كما تقتضي قواعد المحاكمة العادلة؟ أم أن الرغبة في إرضاء الرأي العام ستجعل من هذا الملف اختبارا صعبا لاستقلال القضاء؟
لسنا هنا في موقع الدفاع القضائي، ولا في موقع الخصومة مع أي طرف، بل في موقع الدفاع عن فكرة العدالة نفسها؛ عدالة لا تُدار بالعاطفة، ولا تُبنى على الانتماء الاجتماعي، ولا تُصاغ بمنطق “ولد الفشوش” و“ولد الشعب”، بل بعدالة واحدة، تطبق القانون على الجميع دون استثناء.
إن حماية حقوق المتهم لا تعني أبدا التنكر لحق الضحية، بل هي الضمانة الوحيدة لعدالة متوازنة، لا تنتج مظلومًا جديدًا باسم الانتصار للضحايا. فالقضاء، لا الشارع، هو من يملك سلطة الإدانة أو البراءة.
وإلى أن يصدر الحكم النهائي، يبقى احترام القانون، وصون قرينة البراءة، وعدم الضغط على القضاء، هو الامتحان الحقيقي لدولة الحق والقانون… قبل أن يكون امتحانا للمتهم أشرف وحده.

