حين تتحول الكارثة إلى امتحان للوعي العام من إدارة الطوارئ إلى صناعة النسيان
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع
باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب
ليست الكوارث فقط ما يُسقط البيوت، أو يُغرق الأحياء، أو يشلّ المدن. الكوارث، في معناها الأعمق، هي ما يُسقط الذاكرة الجماعية، ويُعطّل الحسّ النقدي، ويُعوّد المجتمع على اللامبالاة.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في لحظة الصدمة، بل في ما يليها: في سرعة الاعتياد، وفي سهولة النسيان، وفي انتقال المأساة من حدث صادم إلى خبر عابر.
في مجتمعات تعيش توترًا دائمًا مع السياسة، تتحول الكارثة إلى مشهد عاطفي مؤقت. موجة تعاطف، سيل من الصور، خطابات مؤثرة، ثم صمت طويل. لا نقاش عمومي، لا مساءلة، لا ذاكرة.
وهكذا، بدل أن تكون الكارثة لحظة وعي جماعي، تتحول إلى تمرين متكرر على النسيان.
المشكل هنا ليس في ضعف الإمكانيات، ولا في تعقيد التدخلات، بل في غياب سؤال بسيط لكنه خطير:
ماذا نتعلّم؟
فالمجتمع الذي لا يحوّل الكارثة إلى درس، محكوم عليه أن يكررها… دون أن يشعر.
في الديمقراطيات الحية، تُنتج الكوارث نقاشًا عامًا:
تُراجع السياسات،
تُغيَّر الأولويات،
وتُستعاد الثقة عبر الصراحة.
أما حين تختفي الكارثة من النقاش بمجرد انحسار المياه أو رفع الأنقاض، فنحن أمام مجتمع لا يُدير الأزمات، بل يُدير النسيان.
الأخطر من ذلك أن الكارثة تُستعمل أحيانًا كفرصة لتكريس خطاب العجز:
“هذا قدر”،
“ما باليد حيلة”،
“الطبيعة أقوى”.
خطاب يبدو بريئًا، لكنه في العمق يُفرغ الفعل السياسي من معناه، ويُقنع الناس بأن السؤال ترف، وأن المحاسبة عبء، وأن التفكير رفاهية لا وقت لها.
هنا يتحول المواطن من فاعل إلى متفرج،
ومن صاحب حق إلى متلقٍّ للصدمة،
ومن شريك في القرار إلى شاهد على النتائج.
الوعي العام، حين يُستنزف بالكوارث المتتالية دون نقاش، يدخل في حالة تطبيع مع الخلل. يصبح غير مصدوم، غير غاضب، غير متفاجئ.
وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة:
مجتمع لا يحتج لأنه تعوّد،
ولا يسأل لأنه يئس،
ولا يطالب لأنه لم يعد ينتظر.
وفي هذه النقطة بالذات، تصبح الكارثة السياسية أخطر من الكارثة الطبيعية.
فالأولى تُقاس بالخسائر،
أما الثانية فتُقاس بما تفقده المجتمعات من قدرة على التفكير والمساءلة.
هل نحتاج إلى خطط طوارئ؟ نعم.
لكننا نحتاج أكثر إلى طوارئ وعي.
وعي لا يختزل الكارثة في مشهد مؤلم، بل يربطها بالسياسات، بالاختيارات، وبما كان يمكن تفاديه.
وعي لا يبحث فقط عن من أنقذ، بل يسأل: لماذا كنا هنا أصلًا؟
إن الدول لا تُبنى فقط بالمشاريع الكبرى، بل بقدرتها على تحويل الألم إلى معرفة، والصدمة إلى إصلاح، والحدث إلى سياسة عمومية جديدة.
أما حين تُدار الكوارث بمنطق الإطفاء المؤقت، فإننا لا نطفئ الأزمة، بل نؤجلها.
الكارثة التي لا تُناقَش،
لا تُحاسَب،
ولا تُستثمر في الإصلاح…
ليست كارثة انتهت، بل كارثة تنتظر موعدها القادم.
وهنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس:
متى ستقع الكارثة التالية؟
بل: هل سنكون، هذه المرة، أقل نسيانًا؟

