نزار القريشي: عن الصراع الدولي و التخفيض السكاني و اقتصاد البترول

نزار القريشي: عن الصراع الدولي و التخفيض السكاني و اقتصاد البترول

نزار القريشي

إنَّ تدحرج الصراع الدولي، و إمكانية انزلاقه نحو مستويات أعلى، قد تتجاوز مستوى الحروب التقليدية ، على هامش هذه الصراعات التي تجذرت، بدءً بالحرب الأوكرانية و تطوراتها، و مرورا إلى حرب الشرق الأوسط ضد إيران، ثم التطور المحتمل ببحر الصين الجنوبي، والمحيط المتجمد الشمالي، هو ما يؤكده اشتداد الصراع الدولي حول مجالات النفوذ، والذي تزيد من شدته الاختلافات، في الرؤى و الاستراتيجيات، و العقائد العسكرية، المتناقضة حول المصالح و الأهداف.
إذ ترى الولايات المتحدة الأمريكية، في إدارتها للأزمات الدولية، عن طريق مسكها بخيوط تلك الأزمات بدون انخراط مباشر فيها، ضرورة حيوية فيما يجري على الساحة الأوكرانية، خصوصا بعد المنافسة، التي صدرت من “منطقة الأورو”، في مقابل “الدولار”، قبل عشرين سنة من تاريخه. ففي السياق ذاته، ذلك ما تجلى و خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لتتمكن بذلك لندن، من التفرغ لشراكتها مع واشنطن ، و لتحقيق دعم إضافي للدولار بعد الأزمة العالمية، التي شهدها العالم سنة 2008. بالإضافة إلى ذلك، فإن انكشاف رغبة الرئيس الروسي ” فلاديمير بوتن” في إعادة إحياءه للإمبراطورية الروسية، بضمه لجزيرة القرم سنة 2014 م، في مسعى لرسم خريطة موسعة للمنطقة الأوراسية، بغرض فرض الهيمنة الروسية كقطب عالمي جديد ، إذ ذاك ما تجلى واضحا بعد فائض القوة الذي امتلكه “الكريملن” ، عندما استشعر تراجع البنتاغون و أوروبا، أمام خطوته بضم جزيرة القرم، وهو أيضا ما سيتجلى لاحقا ورغبة الروس في تطوير حلف ” بريكس +” خلال انعقاده بجنوب أفريقيا.
إلى ذلك، إن غياب التوازن الذي عرف أثناء الحرب الباردة، بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وسقوط جدار برلين، حيث كان الاحتواء المتبادل عنوانا للمرحلة ابتداء من سنة 1945م ، إلى غاية سنة 1992 م ، وهو ما كان يعرف بتوازن الرعب، والذي تم ضبطه عبر معاهدة “ستارت” 1 و 2 . غير أن مآل إليه الوضع الدولي، و التطورات المرافقة له، بلورت رعب اللاتوازن و اللاتعايش السلمي. لذلك، إن الاشتغال على طريق تجارة جديد، يعمل على تقويض طريق الحرير، تكون موانئ إسرائيل مركزا له، عبر نيوم و الإمارات ثم الهند إلى أوروبا، هو ما قد يعجل بالتطور المحتمل ببحر الصين الجنوبي، في ظل استمرار حرب أوكرانيا، و وجود مؤشر واضح يدل على وضع ما بعد حرب غزة بالقطاع، و في ظل أيضا اشتعال جبهة الشمال بالنسبة للجيش الإسرائيلي، وتهديد الحوثي لسير ومجرى الملاحة البحرية، من خليج عدن إلى باب المندب ، و الذي قد يطال القرن الأفريقي حيث يتمركز النفوذ الإسرائيلي، بوسط شرق أفريقيا، و جزيرة سقطرى ، وجنوب اليمن ،و هو ما يعرقل المسارات التي تحدد مجالات النفوذ لإسرائيل الكبرى، والتي لن تتحقق حسب الاعتقاد الديني اليهودي، إلا بعد الانتهاء من معركة “هرمدجون”، حيث يتحدث ” سفر إشعياء”، عن ذلك، وهو نص رئيسي من العهد القديم، كان بدأ في تنفيذ رؤيته بنيامين نتنياهو، بإعلانه الحرب على غزة، و الفلسطينيين، غير أن الدولة العميقة داخل إسرائيل بزعامة “إيهود باراك”، تريد إتمام تثبيت هيكلة خريطة إسرائيل الكبرى، والتي ستتم عبر إسقاط تهم المتابعات القضائية الموجهة ضد بنيامين نتنياهو، لابقاءه على رأس الحكومة الإسرائيلية، وفق رغبة اللوبي الصهيوني داخل أمريكا والمملكة المتحدة و سويسرا.

فالتطورات بالشرق الأوسط، و اشتغال “البنتاغون ، على حرب جديدة ضد إيران، بتنسيق بين قواعده، انطلاقا من إدارة سنتكوم، هو ما يساعد البريطانيون بشأنه، انطلاقا من جبل طارق إلى الكزندروبلس باليونان، لغلق شرق المتوسط انطلاقا من غربه عبر التنسيق مع اوكوم بايطاليا.
في السياق ذاته، فإن هذا ما زاد من أطماع و رغبة الروس في إيجاد موطأ قدم، بالغرب الأفريقي، ومنطقة الصحراء الكبرى و الساحل، و هو ما ترفضه دول الإقليم، من خلال إعلان رفضها لتواجد “الفيلق الروسي” بالمنطقة، و عموم القارة الأفريقية ، مما يزيد حاجة كل من لندن و واشنطن و باريس لعلاقات إستراتيجية مع إقليم غرب أفريقيا، في ظل تغطية المخابرات الخارجية الفرنسية لتراب القارة الأفريقية برمته، و هو ما يتجلى و قدرة مكتب نيكولا لرنير، على حلحلة الأزمات بأفريقيا.

وبالعودة للصراع الدولي، فإن التطورات الأخيرة بأوكرانيا، و إيقاف الجيش الإسرائيلي لحرب غزة، خاصة و تدحرجها المحتمل على جبهة الشمال، هو ما يؤكد أن إيران لن تستطيع امتصاص أي ضربة يوجهها لها البنتاغون بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وهي رغبة و أولوية لإسرائيل، وهو ما تسعى طهران لتجنبه بحذر شديد.
هذا. و على صعيد آخر، فإن التطور المحتمل ببحر الصين الجنوبي، يعزز من التقارب الياباني-الهندي، وإمكانية انخراط البلدين مع الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية و الفيليبين، في دعم الجيش التايواني ضد الجيش الصيني، إزاء أي تطور محتمل، وهو ما تجمد بسببه “بجين” تدخلها المباشر في جزيرة “تايوان”.
إلى ذلك، إن تقدير الاقتصاديين الغربيين للأزمات الدولية، على أنها وسائل إيجابية تبرر الغايات، هو ما سيعمل على تأجيج المزيد، من هذه الصراعات الدولية حول المصالح، و ذلك من أجل الوصول لبلوغ الأهداف الرامية، لإعادة تأهيل النظام العالمي من جديد، ودورات جديدة لاقتصاده ، و الذي لن يتأتى إلا بتحسين الأطراف الدولية المتصارعة فيما بينها، لشروط التفاوض على طاولة المفاوضات مستقبلا، وهو ما يؤكد أن حرب أوكرانية، ستستمر أشهرا إضافية، و أن حرب الشرق الأوسط مستمرة إلى غاية إسقاط النظام الإيراني، وهو ما يضمن تأجيل انتقال الصراع لشرق آسيا، إلى غاية إنهاء حرب أوكرانيا و حرب الشرق الأوسط، غير أن صراعا آخر يلوح في الأفق، حول عدم التوافق و الإجماع الدولي على توقيت التخفيض السكاني ،المعروف ب ” المليار الذهبي”، الذي خططت له جماعة المتنورين، بأفق سنة 2027م ، إذ يرى معارضو ذلك من داخل “أوبيك”، و أوبيك +، في هذا التخفيض السكاني، انهيارا لاقتصادياتهم المبنية على مداخل النفط، إذ بموازاة تحقيق التخفيض السكاني و تحويله إلى مليار نسمة، سيقل الطلب على النفط وتنهار مستويات الإنتاج والطلب، وهو ما يعرقل التنمية، التي ما فتئت تنتهجها البلدان النفطية في ظل مستويات احتياطاتها، من النفط ، و عدم جفاف آباره، مما سيحولها إلى دول متوسطة الدخل ، في ظل عدم توفرها حاليا على بدائل اقتصادية ناجعة لمداخلها من عائدات النفط، رغم الخطوات المتأخرة التي بدأت تنتهجها هذه الدول، في محاولة لتنويع مصادرها الاقتصادية.
في السياق ذاته، تطالب دول عدة مدعومة، من مجتمعاتها الاستخبارية، إلى ضرورة تأجيل التخفيض السكاني من سنة 2027م، إلى سنة 2030 م، كأقصى حد، لأن أطرافا دولية منخرطة في الصراع الدولي، غير مستعدة لتمرير و استقبال هكذا حدث. و هو ما قد يقره مؤتمر بلدلبرغ القادم، ضمن جدول أعمال مؤتمريه بعد مناقشته بتنسيق مع اللجنة الثلاثية.

صحافي مختص في شؤون الأمن والاستخبارات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *