أُكِلنا يوم أُكِل الثور الأبيض… حين تُستهدف المحاماة يُستهدف العدل

أُكِلنا يوم أُكِل الثور الأبيض… حين تُستهدف المحاماة يُستهدف العدل

بوشعيب نجار 

لم يكن الاحتجاج الذي تخوضه هيئة المحامين وليد نزوة فئوية ولا بحثا عن امتيازات شخصية ضيقة، كما يحاول بعض الخطاب الرسمي والتبريري تصويره، بل هو صرخة مهنية وأخلاقية دفاعًا عن آخر ما تبقى من توازن داخل منظومة العدالة. فالنار التي أشعلها وزير العدل بخطاب التعميم والتجريم الرمزي لن تتوقف عند حدود المحاماة، بل سيصل لهيبها يوما إلى كل من اصطف أو صفق أو آثر الصمت.

إن المحامي، وهو يخرج للاحتجاج اليوم، لا يدافع عن جيبه ولا عن موقعه الاجتماعي، بل يناضل من أجل محاماة قوية ومستقلة، قادرة على أداء دورها الدستوري في الدفاع عن المتقاضي/المواطن، وحماية الحقوق والحريات، والتصدي لكل أشكال الشطط في استعمال السلطة. فضعف المحامي ليس عقابا للمهنة، بل تهديد مباشر للمجتمع بأكمله.

صحيح أن جسد المحاماة، كغيره من الأجسام المهنية، يحمل ندوبًا صنعها بعض المنتسبين إليه، ممن تسللوا إلى المهنة محمّلين بكل رواسب الفساد والانتهازية والأنانية. غير أن تعميم الإدانة وتحويل الاستثناء إلى قاعدة هو أسلوب سهل، لكنه خطير، لأنه يقتل القيم بدل إصلاح الأعطاب. وفي المقابل، لا يمكن إنكار وجود محامين شرفاء يمارسون مهنتهم بإخلاص وضمير حي، لأنهم ببساطة يحملون إنسانيتهم في قلوبهم قبل أن يحملوا ملفات موكليهم.

إن تمرير أي مشروع قانون يُكبل المحامي بالخوف، ويجعل صوته خافتًا، ويضعه تحت سيف التهديد والمتابعة، هو إعلان غير مباشر عن نهاية الدفاع الحر. يومها، لن يجد المناضل ولا صاحب الرأي الجريء من يواجه السلطة بحقيقتها، ولن يجد الفقير محاميا يترافع عنه بالمجان، ولن تجد حتى العدالة نفسها من يوازن سلطة الاتهام، لأن الشطط في استعمال القانون ملازم لكل سلطة يديرها بشر.

لقد بسطت الدولة يدها، خلال السنوات الأخيرة، على معظم المهن ذات النفس النضالي داخل المجتمع، ولم يتبق لها سوى مهنة المحاماة. والخطر الحقيقي أن تجتمع بين يديها سلطة الاتهام، وسلطة الدفاع، وسلطة القضاء، وسلطة الإعلام، في مشهد يُنذر بإفراغ دولة القانون من مضمونها، وتحويل العدالة إلى إجراء شكلي بلا روح.

إن مهنة المحاماة ليست وسيلة للكسب فقط، كما يحلو للبعض اختزالها، بل هي أداة أساسية يستقيم بها ميزان العدل في أي دولة تحترم نفسها. وقوة المحاماة ليست امتيازا للمحامين، بل مؤشرا حقيقيًا على مستوى الشفافية والنزاهة واستقلال الأحكام. وحين تُستهدف المحاماة، فإن المستهدف الحقيقي هو حق المواطن في محاكمة عادلة، وحق المجتمع في عدالة مستقلة لا تخضع لمنطق التخويف ولا لسطوة السلطة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *