بين النص والمهزلة: كيف خسرت الكاف رهان العدالة؟
بقلم الدكتور طلوع عبدالإله – كاتب رأي
ليست المشكلة في قرار تأديبي عابر،
ولا في عقوبة هزيلة يمكن تجاوزها بالنسيان.
المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
نحن أمام لحظة كاشفة،
لحظة تسقط فيها الأقنعة عن منطق تدبير العدالة الرياضية داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
قرار لجنة التأديب الأخير لم يكن فقط مخيبًا للآمال،
بل كان صادمًا في رمزيته،
مربكًا في منطقه،
وفقيرًا في منطقه القانوني.
لقد بدا القرار وكأنه كُتب تحت ضغط الخوف من الحسم،
لا تحت سلطة النص ولا روح القانون.
حين تُساوى الأفعال الخطيرة بإجراءات شكلية،
وحين يُعامل الاعتداء كما يُعامل الخطأ التقني،
فإننا لا نكون أمام عدالة،
بل أمام مهزلة مؤسساتية مكتملة الأركان.
العدالة، في جوهرها، ليست حيادًا أعمى،
بل إنصاف قائم على التمييز بين الجريمة والعرض،
بين المتسبب والمتضرر،
بين الفعل وردّ الفعل.
أما ما صدر عن “الكاف”،
فهو حياد زائف،
يخفي عجزًا عن اتخاذ القرار،
ويُلبس الارتباك ثوب الحكمة.
الأخطر من العقوبة نفسها،
هو الرسالة التي حملها القرار إلى باقي الفاعلين.
رسالة تقول بوضوح:
اخرقوا القوانين،
اصنعوا الفوضى،
فالنتيجة واحدة،
ولا أحد سيُحاسَب بجدية.
بهذا المعنى،
لا يعود القانون أداة للردع،
بل يتحول إلى ديكور مؤسساتي،
يُستحضر عند الحاجة،
ويُعلّق عند لحظة الاختبار.
لم يكن المنتظر أن تُمنح الألقاب على الورق،
ولا أن تُصاغ الانتصارات داخل المكاتب.
المطلوب فقط
هو حماية الحد الأدنى من الأخلاق الرياضية،
وصون صورة المنافسة الإفريقية أمام العالم.
لكن الكاف،
بهذا القرار،
اختارت الطريق الأسهل:
إرضاء الجميع،
وإنصاف لا أحد.
وهنا بالضبط تكمن الخسارة الحقيقية.
خسارة الثقة.
خسارة المصداقية.
وخسارة الرهان على مؤسسة يُفترض أن تكون فوق الحسابات.
والمفارقة المؤلمة،
أن يُتهم المغرب بالهيمنة،
في اللحظة نفسها التي يُظلم فيها بقرار جائر.
أي هيمنة هذه،
حين تُهضم الحقوق باسم “التوازن”؟
وأي تحكم،
حين تُفرض عليك نتائج لا علاقة لها بالقانون؟
الحقيقة أن المغرب،
رغم قوته الدبلوماسية،
اختار دومًا منطق المؤسسات،
حتى حين تخذله تلك المؤسسات.
وهذا بالضبط ما يزعج البعض.
فالدول التي تراهن على الكواليس،
تخشى منطق الوضوح،
وترتبك أمام دولة تحاجج بالنص لا بالضغط.
لقد علمتنا نهائيات كأس إفريقيا،
أن المعركة في القارة ليست كروية فقط.
إنها معركة قيم.
معركة وعي.
ومعركة تحديث مؤسسات
لا تزال تعتقد أن العبث يمكن أن يمر بلا ثمن.
لكن التاريخ لا يرحم.
وكل مؤسسة تفرّط في العدالة،
تحكم على نفسها بفقدان الشرعية،
ولو بعد حين.
ذلك أن النص بلا روح عدل،
ليس قانونًا،
بل مهزلة مؤجلة الانفجار.

