الحقل السياسي الدولي اليوم: بين الواقعية والجيوسياسة

الحقل السياسي الدولي اليوم: بين الواقعية والجيوسياسة
الدكتور المصطفى قاسمي

مقدمة

عرف الحقل السياسي الدولي، منذ نهاية الحرب الباردة، تحولات عميقة غالبًا ما جرى تأويلها باعتبارها إيذانًا ببروز نظام عالمي ليبرالي قائم على القانون الدولي، والتعاون متعدد الأطراف، والترابط الاقتصادي. غير أن التطورات الأخيرة، المتمثلة في النزاعات المسلحة، وعودة التنافس بين القوى الكبرى، وتسليع الاقتصاد في الصراعات الدولية، تكشف عن واقع أكثر تعقيدًا، حيث استعادت موازين القوة والاعتبارات الجيوسياسية موقعها المركزي في توجيه سلوك الدول.

في هذا السياق، يصبح من الضروري تجاوز القراءة المعيارية الصرفة للعلاقات الدولية، والانفتاح على التحليل الجيوسياسي الذي يركز على دور المجال الجغرافي، والإقليم، والموارد في صياغة السياسات الخارجية. وعليه، تطرح هذه الدراسة الإشكالية التالية:
إلى أي حد تسهم الجيوسياسة في تفسير واقع الحقل السياسي الدولي المعاصر، بما يتجاوز الخطاب القانوني والمؤسساتي السائد؟

تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الحقل السياسي الدولي اليوم تحكمه حالة توتر بنيوي دائم بين المعايير الدولية من جهة، والحقائق الجيوسياسية من جهة أخرى، وهو توتر لا يمكن فهمه إلا من خلال مقاربة نظرية تكاملية.

أولًا: *الحقل السياسي الدولي كواقع تحكمه موازين القوة
*
1. النظام الدولي كنسق فوضوي

تنطلق المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية من اعتبار النظام الدولي نسقًا فوضويًا بطبيعته، أي يفتقر إلى سلطة مركزية عليا قادرة على فرض قواعد ملزمة على الدول (Waltz, 1959). وفي ظل هذا الوضع البنيوي، تظل مسألتا الأمن والبقاء الهاجسَين الأساسيين للفاعل الدولي، وعلى رأسه الدولة.

ويؤكد كينيث والتز أن هذه البنية الفوضوية تفسر استمرارية الصراعات الدولية وحالة عدم الثقة بين الدول، بغض النظر عن طبيعة أنظمتها السياسية أو نواياها المعلنة (Waltz, 1959). وعليه، فإن الحقل السياسي الدولي يشكل في جوهره مجالًا للتنافس والصراع.

2. مركزية القوة والمصلحة الوطنية

يرى هانس مورغنثاو أن السياسة الدولية تخضع لقوانين موضوعية متجذرة في الطبيعة البشرية، وأن المصلحة الوطنية، المعرَّفة من حيث القوة، تشكل المبدأ الموجّه لسلوك الدول (Morgenthau, 1948).

ورغم التوسع الملحوظ في المؤسسات الدولية وتنامي الخطاب الحقوقي، فإن السعي إلى تعظيم القوة لا يزال عنصرًا تفسيرياً حاسمًا. فالاعتبارات الأخلاقية والقانونية، وإن حضرت في الخطاب الدبلوماسي، غالبًا ما تبقى خاضعة للاعتبارات الاستراتيجية.

3. تعدد الفاعلين دون تراجع دور الدولة

لا شك أن المنظمات الدولية، والمنظمات غير الحكومية، والشركات متعددة الجنسيات باتت تؤدي أدوارًا متزايدة في إدارة الشأن العالمي، غير أن الدولة لا تزال تحتفظ بموقعها المركزي داخل الحقل السياسي الدولي (Badie & Smouts, 1992). ويؤدي هذا التعدد إلى تعقيد التفاعلات الدولية دون أن يقوض منطق الدولة-الأمة.

ثانيًا: الجيوسياسة كمدخل تحليلي للحقل السياسي الدولي

1. الإقليم والمجال الجغرافي كعوامل للقوة

ترتكز الجيوسياسة على فرضية مفادها أن الخصائص الجغرافية تؤثر بشكل حاسم في القرارات السياسية والاستراتيجية للدول. وقد أبرز هالفورد ماكيندر، من خلال نظريته حول قلب العالم (Heartland)، أن السيطرة على مناطق جغرافية محددة يمكن أن تفضي إلى الهيمنة العالمية (Mackinder, 1904).

وتسلط هذه المقاربة الضوء على أهمية:
• الموقع الجغرافي الاستراتيجي،
• التحكم في المنافذ البحرية،
• السيطرة على الموارد الطبيعية،
• والعمق الاستراتيجي.

وفي هذا الإطار، يؤكد تيم مارشال أن صناع القرار السياسي يظلون «أسرى للجغرافيا»، بحكم القيود البنيوية التي تفرضها على خياراتهم الاستراتيجية (Marshall, 2015).

2. تجدد الفكر الجيوسياسي المعاصر

لم تعد الجيوسياسة المعاصرة مقتصرة على التحليل العسكري التقليدي، بل توسعت لتشمل الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية والطاقية. وقد صاغ إدوارد لوتواك مفهوم الجيو-اقتصاد للدلالة على توظيف الأدوات الاقتصادية كوسائل لتحقيق أهداف استراتيجية (Luttwak, 1990).

وتُعد العقوبات الاقتصادية، والتحكم في سلاسل التوريد، والتنافس التكنولوجي مظاهر واضحة لهذا التحول، بما يؤكد قدرة الجيوسياسة على التكيف مع تحولات الحقل السياسي الدولي.

ثالثًا: التوتر بين المعايير الدولية والواقع الجيوسياسي

1. الخطاب المعياري الدولي

يقوم الخطاب الرسمي للنظام الدولي المعاصر على مبادئ القانون الدولي، والتعددية، وحماية حقوق الإنسان، وهي مبادئ تتجسد في عمل المؤسسات الدولية (Baylis et al., 2020).

2. الممارسات الجيوسياسية الفعلية

غير أن الممارسة العملية تكشف عن تطبيق انتقائي لهذه المعايير. فالتدخلات العسكرية، ومناطق النفوذ، وسياسات القوة تؤكد أن المنطق الجيوسياسي يتغلب في كثير من الأحيان على الالتزامات القانونية (Mearsheimer, 2001).

ويشير هنري كيسنجر إلى أن الدبلوماسية الدولية لا تقوم على مُثل كونية مجردة، بقدر ما تستند إلى إدارة براغماتية لموازين القوة (Kissinger, 1994).

3. نحو نظام دولي متعدد الأقطاب

يتجه الحقل السياسي الدولي نحو تعددية قطبية غير مستقرة، تتسم بصعود قوى إقليمية وتراجع نسبي للهيمنة الغربية، الأمر الذي يعزز من مركزية الجيوسياسة كأداة تحليلية لا غنى عنها.

خاتمة

يتضح أن الحقل السياسي الدولي اليوم لا يمكن فهمه من خلال مقاربة معيارية أو مؤسساتية محضة، بل هو نتاج تفاعل دائم بين الواقع السياسي وموازين القوة والقيود الجيوسياسية. ولا تشكل الجيوسياسة بديلًا عن نظريات العلاقات الدولية، بل مكملًا ضروريًا لها، إذ تتيح الكشف عن المنطق العميق الذي يحكم سلوك الفاعلين الدوليين في النظام العالمي المعاصر.

الدكتور المصطفى قاسمي
استاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *