غرينلاند…الإقليم الذي يغادر بصمت و معضلة الدنمارك في الدفاع عن الراحل

غرينلاند…الإقليم الذي يغادر بصمت و معضلة الدنمارك في الدفاع عن الراحل

في أقصى شمال العالم، حيث تتراجع الصفائح الجليدية و تتكشف مساحات جديدة من الأرض و الفرص، تجد الدنمارك نفسها أمام معضلة سياسية و إستراتيجية نادرة : الدفاع عن غرينلاند، الإقليم الذي لا يزال رسميًا جزءًا من المملكة، لكنه عمليًا يسير بخطى ثابتة نحو الإستقلال.

إنها مفارقة تاريخية تجمع بين السيادة القانونية و التآكل السياسي، و بين الإلتزام العسكري و مستقبل بات خارج السيطرة.

منذ أن حصلت غرينلاند على حكم ذاتي موسع عام 2009، أصبح حق تقرير المصير جزءا من الواقع القانوني، لا مجرد شعار سياسي.

و مع مرور السنوات، تعززت الهوية الوطنية لسكان الجزيرة، و تراجع الحضور الدنماركي في الوعي العام، ليحل محله خطاب متنامٍ يرى أن الإرتباط بكوبنهاغن مرحلة إنتقالية لا أكثر. الإستقلال لم يعد فكرة راديكالية، بل أفقًا مؤجلا ينتظر اكتمال الشروط الإقتصادية.

في المقابل، تتحمل الدنمارك أعباء مالية و عسكرية كبيرة للحفاظ على وجودها في غرينلاند، سواء عبر الدعم السنوي للإقتصاد المحلي أو من خلال مسؤوليات الدفاع في إطار حلف شمال الأطلسي.

المفارقة أن هذا الإستثمار يجري في إقليم قد يختار، عبر إستفتاء ديمقراطي، مغادرة المملكة خلال عقود قليلة. و هنا يتسلل سؤال صعب إلى دوائر صنع القرار في كوبنهاغن : إلى أي مدى يمكن تبرير الدفاع عن أرض قد لا تكون دنماركية في المستقبل القريب ؟

التحولات المناخية أضافت بُعدًا جديدًا للأزمة. ذوبان الجليد فتح الباب أمام ثروات طبيعية هائلة من معادن نادرة و موارد طاقة و مسارات شحن بحرية جديدة، ما جعل غرينلاند محور تنافس دولي متصاعد.

هذا الإهتمام العالمي، بدل أن يعزز موقع الدنمارك، زاد من هشاشته، إذ باتت القوى الكبرى تنظر إلى الجزيرة بإعتبارها كيانًا إستراتيجيًا مستقلًا أكثر منها إقليمًا تابعًا.

الحضور الأميركي في غرينلاند، عبر القاعدة العسكرية في الشمال، يعمّق هذا التناقض.

فعلى الرغم من أن السيادة رسميًا دنماركية، إلا أن النفوذ الفعلي على الأرض لا يعكس ذلك بالكامل.

تصريحات سابقة عن إمكانية “شراء” غرينلاند لم تكن مجرد زلة دبلوماسية، بل كشفت واقعًا مقلقًا : الدنمارك ليست اللاعب الأقوى في إقليم يفترض أنه جزء من أراضيها.

وسط هذا المشهد، لم تعد معركة الدنمارك معركة سيادة بقدر ما أصبحت معركة نفوذ و إنتقال منظم.

الخطر الحقيقي لا يكمن في إستقلال غرينلاند بحد ذاته، بل في أن يتم هذا الإستقلال في بيئة دولية لا تملك كوبنهاغن فيها سوى هامش ضيق من التأثير، ما قد يحولها من دولة راعية إلى طرف ثانوي في مستقبل الجزيرة.

غرينلاند لا تعلن القطيعة، ولا تتعجل الانفصال، لكنها تمضي بثبات نحو لحظة الحسم. أما الدنمارك، فتعيش وضعًا إستثنائيًا في السياسة الدولية : دولة مطالبة بالدفاع عن إقليم، و هي تدرك أن هذا الإقليم، سياسيًا و شعبيًا، بات على طريق المغادرة.

في أقصى الشمال، لا يذوب الجليد فقط، بل تتغير معه خرائط الولاء و السيادة، و تُكتب نهاية علاقة إستعمارية قديمة بصمت بارد يشبه طبيعة المكان نفسه.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *