مهنة المحاماة على صفيح ساخن: حين يختبر الضمير المهني أمام مسودة قانون مثيرة للجدل
الرباط : مجلة 24
تعيش مهنة المحاماة بالمغرب واحدة من أدق لحظاتها التاريخية، على وقع الجدل العارم الذي فجرته مسودة قانون تنظيم المهنة، والتي سرعان ما تحولت من وثيقة تقنية مفترضة إلى شرارة احتجاج مهني واسع داخل تنظيم أصحاب البذلة السوداء. فبعيدا عن لغة الإصلاح والتحديث التي تسوق بها المسودة، يقرأ المحامون بين سطورها مقتضيات مقلقة، تنذر بتقويض استقلالية الدفاع، وتفريغ الرسالة النبيلة للمحامي من جوهرها الحقوقي والدستوري.
منذ تسريب مضامين المسودة، تعالت أصوات الهيئات والجمعيات المهنية محذرة من “تشريع تراجعي” يمس صميم المهنة، ويعيد المحاماة خطوات إلى الوراء بدل الدفع بها نحو تعزيز أدوارها في حماية الحقوق والحريات. فاستقلالية المحامي، التي تشكل حجر الزاوية في منظومة العدالة، بدت مهددة بنصوص تفتح الباب أمام الوصاية الإدارية، وتقييد حرية الممارسة، بل وتوسيع دائرة المتابعات التأديبية بصيغ فضفاضة قد تُستعمل لتكميم الأصوات المزعجة.
اللافت في هذا السياق هو الصمت الرسمي المريب الذي رافق تسويق المسودة، وكأن الأمر يتعلق بإجراء تقني عابر، لا بإصلاح يمس أحد أعمدة العدالة. صمت زاد من منسوب الشك داخل الجسم المهني، خصوصا مع الحديث عن “تمرير ناعم” لمواد ملغومة، دون نقاش عمومي حقيقي أو إشراك فعلي للفاعلين المهنيين، في تعارض صريح مع منهجية المقاربة التشاركية التي طالما رُفعت كشعار في إصلاح منظومة العدالة.
ويرى مهنيون أن الخطر لا يكمن فقط في بعض المقتضيات المثيرة للجدل، بل في الفلسفة العامة التي تحكم المسودة، والتي تميل بحسبهم إلى تحويل المحامي من فاعل مستقل وشريك في تحقيق العدالة، إلى مجرد ملحق إداري خاضع لمنطق الضبط والمراقبة. وهو توجه إن تأكد لا يهدد المحاماة وحدها، بل ينعكس سلبا على حق الدفاع، وعلى ثقة المتقاضين في عدالة منصفة ومستقلة.
في المقابل يشهد المشهد المهني حالة غليان غير مسبوقة، تجسدت في بيانات احتجاجية، ووقفات إنذارية، ونقاشات ساخنة داخل الهيئات، في محاولة لقرع جرس الإنذار قبل فوات الأوان. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: هل يتحرك الضمير المهني الجماعي لفرض مراجعة حقيقية للمسودة، أم يترك الدفاع وحيدا في مواجهة تشريع يُشرعن التراجع ويُكرّس الوصاية؟
إن إصلاح مهنة المحاماة لا يمكن أن يتم بمنطق الفوقية أو الإملاء، ولا عبر نصوص تقايض الاستقلال بالضبط، ولا الكرامة المهنية بالزجر. فالمحاماة باعتبارها رسالة قبل أن تكون مهنة، تظل خط الدفاع الأول عن الحقوق والحريات، وأي مساس باستقلالها هو مساس مباشر بأسس دولة الحق والقانون.
وأمام هذا المنعطف الحاسم، تبدو الحاجة ملحّة إلى فتح نقاش وطني مسؤول، يُعيد الاعتبار لصوت المحامين، ويضع الإصلاح في مساره الصحيح: إصلاح يعزز الاستقلالية، ويحصن المهنة، ويواكب التحولات، دون التفريط في الجوهر. فالتاريخ لن يرحم من اختار الصمت، ولا من مرّر التراجع باسم التحديث.

