عبد السلام أبو إبراهيم… ذاكرة النضال الاتحادي وسيرة الوفاء للموقف
بغرفة التجارة والصناعة، وعلى الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد 21 دجنبر 2025، التأم أصدقاء الراحل وفعاليات سياسية ونقابية وحقوقية من مدينة سطات وخارجها، لإحياء الذكرى الأربعينية لرحيل المناضل الاتحادي الكبير عبد السلام أبو إبراهيم، في لحظة وفاء إنساني وسياسي، استُحضرت فيها سيرة رجل لم يكن مجرد عابر في التاريخ النضالي، بل أحد الذين صاغوا معناه في زمن الصعوبة والكلفة.
لقد شكّلت هذه الذكرى محطة رمزية عميقة، لم تُختزل في كلمات تأبين عاطفية، بل تحولت إلى وقفة تأمل جماعي في مسار نضالي حافل، وفي قيم جيل كامل آمن بأن السياسة التزام أخلاقي قبل أن تكون ممارسة، وبأن الانحياز للمقهورين ليس شعارًا بل قدرًا.
عبد السلام أبو إبراهيم، ابن تفراوت – تزنيت، حمل معه من الجنوب المغربي صلابة الجبل ونقاء الموقف، واستقر بمدينة سطات حيث وجد فيها فضاءً رحبًا للنضال والعمل السياسي والنقابي. هناك انخرط، بوعي ومسؤولية، في صفوف الحركة الاتحادية، مؤمنًا بأن الاتحاد الاشتراكي لم يكن بالنسبة إليه مجرد حزب، بل مدرسة في الصبر، ومنهجًا في الدفاع عن الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
كان الراحل مناضلًا جسورًا، دفع ثمن مواقفه الجريئة باعتقالات متكررة، في زمن كانت فيه الكلمة الحرة مخاطرة، والانتماء الصادق عبئًا ثقيلاً. غير أن السجن لم يكسر عزيمته، بل زاده تشبثًا بالمبدأ وصلابة في الدفاع عن الإنسان. لم يساوم، ولم يبدّل، ولم يبحث يومًا عن موقع أو امتياز، وظل وفيًا لخيار النضال حتى آخر أيامه.
عرفه رفاقه متواضعًا، صادقًا، نظيف اليد واللسان، حاضرًا في المعارك الكبرى، وصامتًا حين يستدعي الصمت حكمة، ومتقدمًا حين يكون التقدم واجبًا. كان يؤمن بأن النضال لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى صدق واستمرارية، وبأن الوفاء الحقيقي هو الاستمرار في الدفاع عن القيم نفسها، حتى حين يتغير الزمن وتتبدل الوجوه.
وقد عرفت هذه الذكرى حضورًا وازنًا للعديد من الفعاليات، وخاصة أبناء الاتحاد الاشتراكي، في مقدمتهم الأساتذة جمال حطابي، وبن شرقي، وأحمد نجم الدين الرئيس السابق لجامعة الحسن الأول، إلى جانب حسن طارق وسيط المملكة، وصديق الراحل ورفيق دربه. كما حضر عدد من الفعاليات السياسية المحلية والوطنية، من بينهم الراشدي والعسولي ومجاهد، في تعبير واضح عن المكانة التي كان يحظى بها الفقيد داخل المشهد النضالي والسياسي.
وقدّم أشغال هذه الذكرى الشاعر والمثقف الأستاذ حسن نجمي، الذي أدار اللقاء بحس إنساني وثقافي عميق، جامعًا بين استحضار الذاكرة، وفتح أسئلة الحاضر، واستشراف معنى الوفاء في زمن التحولات.
إن إحياء ذكرى عبد السلام أبو إبراهيم لم يكن مجرد طقس رمزي أو استدعاء للماضي، بل كان تجديدًا للعهد مع جيل من المناضلين الذين دفعوا ثمن الموقف، وكتبوا تاريخًا من الصبر والتضحية، في زمن كانت فيه السياسة شرفًا، والنضال التزامًا، والانحياز للقيم اختيارًا مكلفًا.
رحم الله الفقيد عبد السلام أبو إبراهيم، وجعل مثواه الجنة، وألهم أسرته ورفاقه وذويه الصبر والسلوان، وحفظ ذاكرته حيّة في وجدان كل من آمن بأن النضال شرف، وبأن الأوطان لا تُبنى إلا بتضحيات المخلصين.



