في علم السياسة وأسس الجغرافية السياسية

في علم السياسة وأسس الجغرافية السياسية

نزار القريشي

إنَّ دراسة الاستراتيجيات الدولية، على المدى القريب و المتوسط و البعيد. من خلال ما يتيحه علم السياسة ، الذي تؤطره أسس الجغرافية السياسية، في إطار قواعد علمية تمكننا من رؤية واضحة، و استشراف لمستقبل العلاقات الدولية على ضوء أطروحة ما بعد الإنسانية وتطور النيولبيرالية، والجديد الذي سيأتي مع تطور الذكاء الصناعي، هو ما يؤشر للنظام الرأسمالي في الاستمرار، و معه ريادة التجمع الأنجلوسكسوني و أوروبا الغربية. وذلك ، بالرغم من التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، بدء بصراع الشرق الأوسط شبه المتناهي،و ماله من أهمية في البعد “الجيو بولتيك” للبحار، بما يشمله من ممرات مائية حيوية للتجارة العالمية و الجيوش، و باعتباره منطقة تحوي أهم مصادر الطاقة في العالم على المدى القريب و المتوسط. إلى ذلك، إن تطور الصراع بين الغرب و روسيا على الساحة الأوكرانية، هو ما سينتقل الصراع بشأنه في المستقبل من الساحة الأوكرانية إلى صراع أكبر حول المحيط المتجمد الشمالي بين حلف الناتو و الجيش الروسي.
فبعد أن نجحت إسرائيل في تفكيك منظمة حماس و حزب الله، و ما يليه من هجمات يستمر الجيش الإسرائيلي في إطلاقها ضد جماعة الحوثي. مرورا لصرامة الإدارة الأمريكية الحالية ضد إيران، وبعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، أصبح معه الوضع الإقليمي يسمح بتوسع دولة إسرائيل من حجمها الحالي امتدادا إلى إسرائيل الكبرى وفق نبوءة أشعياء و كبار الحاخامات اليهود، وهو ما كان يتوخاه بنيامين نتنياهو من خلال إشراكه للأحزاب الدينية في حكومته اليمينية، وذلك ما سيتبلور على أنقاض الأنظمة العربية وجيوشها التي سقطت مع موجة الربيع العربي الأولى و الثانية .إلى ذلك، إن تحقيب التاريخ في السياق الدولي الراهن، يتطلب فهم ما تسعى السياسة لرسمه من تغييرات جيو سياسية ، وهو ما سيتضح مع تطور الصراع المقبل بين أمريكا كممثلة للغرب و الصين، وذلك على أحقية من يتصدر القرن الواحد و العشرين.
هذا. و في خضم ذلك، فإن وضوح الصورة، يؤكد أن مشهد الصراع الدولي بين أمريكا و الصين سيتخلله صراع آخر بين الهند و الصين وبين الهند و تركيا و إندونسيا و البرازيل، على من يتصدر القرن الثاني و العشرين.غير أن إسرائيل الكبرى ستظل في منأى عن خوض أي صراع في ظل دعم دول المركز لها ممثلة في ثلاث عواصم وهي واشنطن و لندن وباريس، وهو أيضا ما ستدعمه جماعة المتنورين و مجموعة بلدربيرغ و اللجنة الثلاثية و تجمع البنائين الأحرار حول العالم. ولضمان ذلك سيتم الحفاظ على الروابط و المصالح الإستراتيجية بين دول التجمع الأنجلوساكسوني و أوروبا الغربية، إذ ذاك ما سيؤدي إلى بزوع نظام عالمي وحضاري جديد، مبني على سلفه القديم قد يضمن للغرب تصدر الريادة لمدة 1200 سنة قادمة.حيث من المرجح أن يدير هذه المرحلة الطويلة وعي فردي مدمج بالذكاء الصناعي يمنح للوعي الجمعي للغرب سبل تدبير الملفات و إيجاد حلول لها. وهو ما سيضمن لإسرائيل الكبرى التمدد شرقا و غربا وشمالا و جنوبا، غير أنه في خضم ذلك، فإن الصراعات الدولية القادمة على المدى المتوسط و البعيد سستتدحرج لصراع إرادات قوي من أهمها الصراع بين الهند و الصين، إذ إن ضرورة إذكاء هذا الصراع ستضمن للولايات المتحدة الأمريكية و الغرب البقاء في تصدر القرن الواحد و العشرين بخسائر أقل، مما سيعيد العالم إلى إعادة تحقيب تاريخه، وهو ما سيؤثر فيه المعطى الاقتصادي والسياسي و الثقافي و الاجتماعي للأمم، المرتبط بالسياسة الدولية و ما يتجندر عنها من صراعات و طرق لتدبيرها، وهو أيضا ما ستحركه المصالح التي تؤدي لبلوغ الأهداف.
لذلك، فإن دراسة محايدة و مستقلة لما تنطوي عليه الصراعات المستقبلية، في حدود 3 قرون القادمة، تؤكد بقاء ريادة الغرب للعالم عبر إسرائيل الكبرى في تبادل للأدوار سيضمن من خلاله التجمع الأنجلوسكسوني و أوروبا الغربية الصمود في مواجهة الطموح الصيني، والذي سيعرقل بدعم الغرب لصعود الهند، وهو ما سنلاحظه مستقبلا من خلال الدعم الاقتصادي و التقني الموجه لنيودلهي و طوكيو، إذ هذا ما تتطلبه أجندة و اشنطن و لندن وباريس على المدى المتوسط و البعيد ، لحفظ التغييرات الجيوسياسية لصالح المجموعة الغربية و مصالحها المتداخلة و المتشعبة من داخل الدولة العميقة التي تحكم الغرب و العالم، للنجاح في تدبير الصراع الحضاري المقبل بين الكتلة الغربية في مواجهتها لطموحات الصين و المنطقة الأوراسية، وهو رهان وتحدٍ ينخرط فيه الغرب بكل ثقله، لمنع انتقال الحضارة الإنسانية للشرق .
نزار القريشي
كاتب صحافي مغربي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *