توزيع مؤسسات الحكم الذاتي بالصحراء المغربية: رؤية لتعزيز الوحدة والنجاعة الترابية
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع
باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب
تطرح مبادرة الحكم الذاتي، التي قدمها المغرب سنة 2007، نموذجا متقدمًا وغير مسبوق في محيطه الإقليمي، باعتبارها صيغة حداثية لتدبير الاختلاف داخل نفس الوحدة الوطنية، وقد أثبتت هذه المبادرة قدرتها على استيعاب التحولات السياسية التي تعرفها المنطقة، وعلى مواكبة الديناميات المجتمعية والاقتصادية التي تعيشها الأقاليم الجنوبية.
كما أنها أصبحت تحظى اليوم بدعم دولي متزايد، يعكس وعي المجتمع الدولي بواقعية المقترح المغربي ومصداقيته.
غير أن قوة أي نموذج سياسي لا تكمن فقط في هندسته العامة، بل في تفاصيله الدقيقة، وهنا يظهر راهنياً ضرورة التفكير في تحيين مبادرة الحكم الذاتي بما يعزز جاذبيتها الديمقراطية وفعاليتها المؤسساتية.
وفي هذا السياق، يبرز مقترح مهم يمكنه أن يشكل قيمة مضافة في إعادة هيكلة مؤسسات الجهة ذاتية الحكم، ويتعلق بـ توزيع مؤسسات السلطة داخل الجهة وعدم تركيزها في مدينة واحدة.
إن تركيز كل مؤسسات وهيئات الحكم الذاتي في مدينة واحدة قد يخلق، ولو بشكل غير مقصود، انطباعًا سياسيًا بوجود “عاصمة” موازية للعاصمة الوطنية الرباط، وهو أمر يمس جوهر فلسفة الحكم الذاتي التي تقوم على وحدة الدولة وسيادتها الكاملة، مقابل تمتيع الجهة بصلاحيات واسعة في إطار اللامركزية المتقدمة، لذلك فإن التوزيع المؤسساتي يعد مقاربة حكيمة تَحفظ رمزية وحدة الدولة وتُفَعّل في الوقت نفسه مبدأ تدبير القرب داخل الجهة.
ومن بين المقترحات المتداولة في النقاش العمومي الرصين، ما قدّمه الدكتور محمد بودن، والمتعلق باعتماد توزيع أفقي لمؤسسات الحكم الذاتي بدل تجميعها في مركز واحد. يقوم هذا التصور على أن تكون مدينة العيون مقرًا للحكومة المحلية ولمؤسسة مندوب الحكومة، باعتبارها أكبر حاضرة في الجنوب، وأكثرها احتضانًا للبنيات الإدارية والاقتصادية.
وفي المقابل، يتم جعل مدينة الداخلة مقرًا لبرلمان جهة الحكم الذاتي، وهو ما يمنح بعدًا مؤسساتيًا جديدًا لهذه المدينة التي تشهد طفرة اقتصادية وسياحية غير مسبوقة.
أما المدن الجنوبية الأخرى، مثل السمارة وآسا والزاك وبوجدور، فيمكن أن تحتضن الهيئة القضائية الخاصة بالجهة، وهيئات الحكامة والرقابة، وهو توزيع من شأنه أن يخلق دينامية تنموية جديدة، ويمنع التمركز الإداري، ويحقق توازنًا ترابيًا مستدامًا داخل الجهة.
إن هذا التصور لا يخدم فقط المنطق الديمقراطي الذي يقوم على إشراك مختلف المجالات الترابية في تحمل أعباء ومكاسب السلطة، بل يستجيب أيضًا للخصوصيات السوسيو–ثقافية للمنطقة، حيث تمتلك كل مدينة وشبه مجال هويتها الاجتماعية وعمقها التاريخي وموروثها القبلي الذي يجب أن يُستثمر إيجابًا في بناء نموذج للحكم الذاتي يستمد شرعيته من الواقع ومن الناس.
كما أن هذا التوزيع يُرسل رسالة سياسية قوية إلى الداخل والخارج مفادها أن المغرب لا يقترح حكمًا ذاتيًا شكليًا أو محدودًا، بل نموذجًا ناضجًا يقوم على الحكامة الترابية، وتوسيع المشاركة، وتوزيع الأدوار بين مختلف المدن، بدل خلق مركز واحد يبتلع باقي المجالات.
وهو تصور قريب من نماذج متقدمة في العالم، كالتجربة الكنارية أو التجربة الآزورية أو بعض الأقاليم ذات الحكم الموسع في الدول الاسكندنافية.
ثم إن اعتماد هذا النموذج من شأنه أن يُحفّز الأحزاب السياسية والنقابات المهنية على إغناء مذكراتها المقبلة بأفكار واقعية وقابلة للتنفيذ، بعيدًا عن الخطاب الإنشائي أو المقترحات غير العملية. فالمطلوب اليوم ليس فقط الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، بل تطويرها من داخلها، وتقديم تصورات مؤسساتية جديدة تجعلها أكثر فعالية وجاذبية.
إن المغرب، وهو يتقدم بثقة نحو تعزيز خياراته الاستراتيجية في الأقاليم الجنوبية، يحتاج إلى بلورة تصورات مبتكرة تستبق المستقبل، وتنسجم مع التحولات العميقة التي تعرفها المنطقة.
ومن هنا تأتي أهمية هذه المقاربة التي تُعيد توزيع السلطة داخل الجهة، وتمنح كل مدينة مكانتها ضمن النموذج الجديد للحكم الذاتي.
وفي الختام، يمكن القول إن توزيع مؤسسات الحكم الذاتي بين مدن العيون والداخلة وباقي الحواضر الجنوبية ليس مجرد فكرة تنظيمية، بل هو رؤية سياسية تعكس إرادة في إرساء حكم ذاتي متوازن، ديمقراطي، ومندمج في السيرورة الوطنية. وهي خطوة من شأنها أن تُقوّي النموذج المغربي في المحافل الدولية، وتُرسّخ رسالته الكبرى: الصحراء جزء لا يتجزأ من الوطن، والحكم الذاتي إطار سيادي لتدبير شؤونها بروح الانفتاح والديمقراطية.

