حين تهمل المدارس… تفتح أبواب السجون

حين تهمل المدارس… تفتح أبواب السجون
بقلم: بوشعيب نجار

من يبخل عن المدرسة، سيجبر لاحقا على بناء السجون.
تلك حقيقة مؤلمة تختصر معادلة التنمية في أبسط صورها: الجهل يولد الفقر، والفقر يولد الجريمة. وفي كل مرة تتراجع فيها الدولة عن الاستثمار في التعليم، تدفع الأجيال القادمة الثمن باهظا، اجتماعيا وأمنيا.

الواقع اليوم يكشف عن جيل يعيش في فجوة خطيرة بين ما تتيحه التكنولوجيا من انفتاح، وما يقدمه التعليم من ضعف في التكوين والمعرفة. جيل التيك توك والفيسبوك نشأ في فضاء افتراضي سريع، بلا تأطير فكري أو قيمي، في حين ظلت المدرسة المغربية حبيسة المناهج القديمة والبنيات المتآكلة. هذه الهوة خلقت شرخا اجتماعيا وسوسيولوجيا صعب رأبه، خاصة عندما تخلّت السياسة العمومية عن رهاناتها الكبرى في التربية والتكوين.

لقد اختارت الحكومة، عن وعي أو عن عجز، أن تسند مفاصل القرار العمومي إلى “شيوخ” و”عجزة” في السياسة، بدل تجديد النخب وضخ دماء جديدة قادرة على فهم تحولات المجتمع. فتم إقصاء الشباب من مواقع القرار، وأُبعد المجتمع المدني الحقوقي عن أدواره في التأطير والتوعية، فاختنق المجال العمومي وغابت المبادرة.

الأحزاب السياسية بدورها تتحمل قسطا وافرا من المسؤولية. فقد فشلت في لعب دورها التأطيري، وفضّلت الزبونية الانتخابية على صناعة الوعي السياسي. واليوم، تجني ثمار ما زرعته: عزوف، غضب، وضياع الثقة في العمل الحزبي والمؤسساتي.

الهدر المدرسي بدوره أصبح ناقوس خطر حقيقي. فكل طفل يغادر مقاعد الدراسة يُضاف إلى قائمة الضياع، ويفتح بابا جديدا للجريمة والانحراف. الأسباب متعددة؛ من ارتفاع تكاليف المعيشة، إلى التفكك الأسري، وصولا إلى غياب المواكبة الاجتماعية والنفسية، مما يجعل الطفل في مواجهة مجتمع قاسٍ لا يرحم من تقطعت بهم السبل.

أعتقد أن الدولة مطالبة اليوم بالدفع بالنخب المثقفة لإعادة صياغة ميثاق تصالحي بين الحكومة والمجتمع المدني، لأن الفجوة بين الطرفين أصبحت عميقة ومقلقة. فالحكومة الحالية للأسف تبدو منشغلة أكثر بالصفقات العمومية والاغتناء الفاحش، وتوزيع المناصب الحساسة على المقربين، بدل الانكباب على إصلاح المدرسة وبناء الثقة في المؤسسات.

وعلى وزارة الداخلية أن تتحمل مسؤوليتها في التخطيط الاستراتيجي، عبر فتح قنوات للحوار من خلال العمال الإقليميين، وإحداث مجالس شبابية جادة تمثل صوت الوطن الحقيقي، لا واجهة حزبية مكررة. فالأسوأ اليوم أن بعض العمال أغلقوا مكاتبهم في وجه المجتمع المدني والإعلام، وبدل تصحيح الأخطاء التنموية، اختاروا سياسة الصمت والتجاهل.

إن المطلوب ليس شيطنة المجتمع أو تحميله وزر فشل السياسة، بل بناء رؤية وطنية شاملة تُعيد الاعتبار للمدرسة، وتفتح المجال أمام الطاقات الشابة للمشاركة في التنمية، بعيدا عن المزايدات الحزبية وخربشات المؤتمرات الهيشتوكية التي لا تُنتج سوى الضجيج.

إن أزمة التعليم في المغرب ليست مجرد قضية قطاعية، بل هي أزمة مجتمع بكامله. لا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية أو تنمية مستدامة دون تعليم متين، يزرع في الأجيال المقبلة روح المواطنة والعقل النقدي. فإصلاح التعليم ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية لحماية المستقبل.

لقد آن الأوان لأن تفهم الدولة أن المدرسة ليست عبئا على الميزانية، بل استثمارا في الأمن والاستقرار. فجيل لم يتعلم لن ينضبط، وجيل بلا وعي لا يمكنه أن يبني وطناً. ومن يستهين بقوة المدرسة، فليستعد لغلاء فاتورة الجهل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *