الحوار و الإنصات للمواطنين مدخل للاستقرار والتنمية
شهدت بعض مدن المملكة خلال الأيام الأخيرة احتجاجات اجتماعية تعكس حجم التراكمات والاختلالات التي يعيشها المواطن البسيط، وهو ما يستدعي قراءة هادئة ومسؤولة لهذه الرسائل الشعبية. فالمطالب المرفوعة لا تخرج عن دائرة المشروعية، بل تتجسد في ثلاث ركائز أساسية لأي مجتمع يريد الاستقرار والعيش الكريم: الصحة والتعليم والشغل.
هذه المطالب في جوهرها ليست ضد الدولة أو المؤسسات، بل هي من صميم البناء الوطني، لأن توفير تعليم جيد هو استثمار في المستقبل، وضمان صحة لائقة هو أساس الكرامة الإنسانية، وخلق فرص الشغل هو صمام الأمان الاجتماعي الذي يحد من الفقر والهجرة واليأس.
غير أن معالجة هذه المطالب لا يمكن أن تمر عبر القمع أو العنف اللفظي، لأن التاريخ علمنا أن لغة القوة لا تنتج سوى الاحتقان. في المقابل، يبقى الحوار الصادق والبناء هو المخرج الأمثل لكل الإشكالات المطروحة، وهو السبيل لتجسير الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحويل الغضب المشروع إلى طاقة اقتراحية وإبداعية تخدم الصالح العام.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن رفض التخريب والفوضى واجب وطني، فالمكاسب الحقوقية والاجتماعية لا تأتي إلا بالسلم والوعي والتحضر. فالاحتجاج السلمي قوة، أما الفوضى فليست سوى فرصة يتسلل منها المفسدون لإجهاض المطالب العادلة.
كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة يظل قاعدة ذهبية في أي مشروع إصلاحي جاد. فلا تنمية حقيقية مع الفساد، ولا استقرار مع الإفلات من العقاب. المطلوب اليوم هو القطع مع منطق الريع والمكاسب غير المشروعة، والتعامل بصرامة مع كل من يسيء استعمال منصبه لتحقيق مصالح شخصية على حساب الوطن والمواطنين.
إن التوجيهات الملكية أكدت مراراً على أولوية الإنسان في قلب التنمية، وعلى ضرورة صيانة الحقوق والحريات، مما يجعل تفعيلها على أرض الواقع مسؤولية جماعية تتقاسمها المؤسسات والمنتخبون والمجتمع المدني.
المرحلة اليوم تحتاج إلى عقلانية ورؤية بعيدة المدى، أساسها الإنصات للمواطنين، وتبني الحوار، ومحاربة الفساد، حتى يبقى وطننا آمناً مستقراً، قادراً على الاستجابة لتطلعات أبنائه في العيش الكريم.

