المغرب بين هيمنة النخبة الرأسمالية وتصاعد المطالب الاجتماعية: جدلية السلطة والثروة والاحتجاج
يعيش المغرب في السنوات الأخيرة على وقع تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة كشفت عن اتساع الفجوة بين النخبة الرأسمالية التي تهيمن على مفاصل الثروة والاستثمار، وبين شرائح اجتماعية واسعة تعاني من الهشاشة والفقر والبطالة، هذه الهوة المتنامية بين من يملكون القرار الاقتصادي وبين الفئات المتضررة من اختلال السياسات العمومية أفرزت دينامية احتجاجية تعكس عطش الشارع إلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص.
لقد أدّى تراكم الثروة في أيدي أقلية محدودة إلى بروز ما يمكن وصفه بـ “الأوليغارشية الاقتصادية”، حيث تميل السياسات الاقتصادية إلى خدمة مصالح المستثمرين الكبار، في حين تتقلص قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه التعليم العمومي والصحة والتشغيل.
هذا الوضع أنتج حالة من الاحتقان الاجتماعي عبّرت عنها حركات احتجاجية في مناطق مختلفة، بدءًا من احتجاجات الحسيمة وجرادة وصولاً إلى الإضرابات القطاعية المتكررة.
تتجلى الأزمة كذلك في ضعف الوساطة السياسية؛ فالأحزاب والنقابات لم تعد قادرة على امتصاص الغضب الشعبي أو ترجمته إلى برامج إصلاحية فعّالة، مما فتح المجال أمام الشارع ليصبح الفضاء الأبرز للتعبير عن المطالب الاجتماعية.
كما أنّ تراجع الثقة في المؤسسات أضعف المشاركة السياسية التقليدية، وأفسح المجال لخطابات الغضب على المنصات الرقمية، حيث تحوّل الفضاء الافتراضي إلى منصة بديلة للنقاش العام والتعبئة.
وإذا كان النموذج التنموي الجديد قد بشّر بتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، فإنّ بطء تنزيله، واستمرار الاختلالات البنيوية في توزيع الثروة، جعلا من خطاب الإصلاح مجرد وعود متكررة في نظر فئات واسعة.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً حادًّا حول قدرة النخبة الاقتصادية والسياسية على بناء عقد اجتماعي جديد يضمن توازناً بين تحفيز الاستثمار وحماية الفئات الهشة.
من جهة أخرى، أظهرت الحركات الاحتجاجية المغربية، رغم طابعها السلمي، أنّ غياب قنوات الاستماع والحوار يؤدي إلى تفاقم فقدان الثقة بين الدولة والمواطن. فالاستجابة الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة جذور المطالب الاجتماعية، التي تتمحور حول الحق في الصحة، والتعليم الجيد، والشغل الكريم، والعدالة المجالية.
إنّ التحدي المطروح اليوم أمام المغرب ليس في مواجهة الاحتجاج بقدر ما يكمن في القدرة على تحويله إلى طاقة اقتراحية تساهم في بلورة سياسات عمومية أكثر عدلاً وفعالية.
ويتطلب ذلك تقوية الوسائط الديمقراطية، وإعادة الاعتبار لدور النقابات والأحزاب، وربط المسؤولية بالمحاسبة لمحاربة الريع والفساد الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أهم عوامل فقدان الثقة.
يبقى مستقبل المغرب رهينًا بمدى قدرة الدولة على تحقيق مصالحة بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وإرساء توازن حقيقي بين منطق السوق ومتطلبات حقوق المواطن، فبدون ذلك سيظل الاحتجاج خيارًا متجدّدًا يلجأ إليه المهمّشون للتعبير عن غيابهم عن سياسات التنمية.
إنّ بناء مغرب متماسك يتطلب نخبة سياسية واقتصادية واعية بأنّ الاستقرار المستدام لا يتحقق فقط بتوسيع الاستثمارات الكبرى، بل كذلك بالاستثمار في الإنسان وضمان كرامته.
فالعدالة الاجتماعية ليست عبئًا على النمو الاقتصادي، بل شرط من شروط استمراره وأساس لأي مشروع تنموي وطني جامع.

