مؤشرات بلا أثر… أم سياسات بلا بوصلة؟
لا تُقاس السياسات العمومية بما تتضمنه من شعارات لامعة أو بما يُعلن عنه من أرقام في البرامج الحكومية، بل بما تتركه من أثر فعلي في حياة الناس.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نجح المغرب في بناء منظومة متكاملة للتقييم تجعل السياسات خاضعة للمساءلة الديمقراطية ومنطق النتائج؟ أم ما زلنا نعيش مرحلة تقييم النوايا بدل تقييم الأثر؟
إن التقييم ليس ترفاً تقنياً أو إجراءً بيروقراطياً، بل هو ثقافة حكاماتية قائمة على النجاعة والفعالية والإنصاف.
فما الجدوى من برامج التنمية البشرية إذا لم نعرف أثرها الفعلي في تقليص الفقر والهشاشة؟ وهل يكفي أن نُحصي عدد المستفيدين أو قيمة الأموال المرصودة لنعلن عن نجاح السياسة العمومية؟
لقد طوّر المغرب في العقدين الأخيرين أدوات مؤسساتية مهمة كالمجلس الأعلى للحسابات، لكن هل انتقلنا فعلاً من مراقبة المشروعية إلى قياس الأثر؟ إن التقارير الرقابية الحالية تكشف عن اختلالات التدبير المالي، غير أنها قلما تلامس جوهر السؤال: إلى أي حد تحققت الأهداف الاستراتيجية لتلك البرامج؟ أليس من الضروري التفكير في هيئة وطنية مستقلة للتقييم الاستراتيجي على غرار التجارب الدولية المتقدمة؟
وتبقى المعضلة الكبرى في ميلنا المفرط إلى المؤشرات الكمية: عدد المدارس المشيدة، الكيلومترات المعبدة، حجم الاستثمارات المرصودة.
لكن هل تكفي هذه الأرقام للقول إن السياسة العمومية نجحت، إذا لم تُترجم إلى تحسين في جودة الخدمات أو في حياة الفئات الهشة؟ هل يمكن اعتبار بناء آلاف الكيلومترات من الطرق مؤشراً كافياً على النجاح إذا لم يسهم ذلك في تقليص عزلة القرى أو تعزيز سلامة السير؟
ولا يقلّ عن ذلك إشكالاً ضعف إشراك المواطن في التقييم. فكيف يمكن لسياسة عمومية أن تكون ناجعة من دون أن يُسأل المستفيد عن رضاه عمّا تحقق؟ ألم يحن الوقت لإدماج استطلاعات دورية لآراء المواطنين حول الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ونقل؟ وهل يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية من دون مساءلة جماعية للبرامج الحكومية من طرف من تُطبّق عليهم؟
ثم هناك التحدي المعرفي المتمثل في محدودية البيانات المفتوحة، وهو ما يعوق عمل الباحثين ويجعل التقييم رهيناً بتقارير رسمية قد لا تعكس الواقع بكل دقة.
فكيف يمكن بناء مؤشرات علمية لقياس أثر السياسات في التشغيل مثلاً، إذا ظلت الأرقام متضاربة بين المؤسسات الرسمية نفسها؟ أليس من اللازم إنشاء بنك وطني للبيانات المفتوحة يُتيح للجامعات ومراكز البحث ومنظمات المجتمع المدني إمكانية التقييم المستقل والموضوعي؟
إن استعادة ثقة الشباب في المؤسسات العمومية، وهي ثقة أظهرت استطلاعات عديدة تراجعها، لن تتحقق من دون ربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة.
فهل يمكن إقناع المواطن بجدوى الإصلاحات الكبرى، كالنموذج التنموي الجديد أو إصلاح المنظومة الصحية، إذا ظلت نتائجها حبيسة المكاتب دون كشف دوري شفاف عن مؤشرات التقدم والنجاعة؟
التقييم في نهاية المطاف ليس خصماً للسياسة العمومية، بل حليفها الاستراتيجي، لأنه يكشف مكامن الخلل ويقترح سبل التصحيح، غير أنّ هذا الحليف لن يؤدي دوره ما لم تتحقق الإرادة السياسية لجعل ثقافة التقييم قاعدة لا استثناء.
فهل نحن مستعدون لمواجهة المرآة الصريحة التي تعكسها مؤشرات التقييم عن سياساتنا؟ أم سنستمر في تزيين الواقع بأرقام تُرضي التقارير ولا تُقنع المواطنين؟
إن مستقبل التنمية في المغرب لن يُقاس بثراء الخطط ولا بحجم الاعتمادات المالية، بل بمدى قدرتنا على الانتقال من خطاب النوايا إلى ثقافة النتائج، وبمدى امتلاكنا الشجاعة المؤسسية لنجعل كل درهم مستثمر في السياسة العامة قابلاً للقياس من حيث أثره في جودة حياة المواطنين.

