بني مسكين… خزان انتخابي كبير وتنمية مؤجلة
قبيلة بني مسكين في قلب إقليم سطات ليست مجرد مجال جغرافي أو وحدة قبلية قديمة، بل هي مرآة تعكس أزمة السياسة المحلية في المغرب بأبعادها المختلفة. فمنذ عقود والقبيلة تحضر بقوة في كل الاستحقاقات الانتخابية، وتشكّل خزاناً أصيلاً للأصوات، ومع ذلك تظل التنمية متعثرة والآمال معلّقة. ما يميز التجربة السياسية في بني مسكين هو هذا التناقض الصارخ بين غزارة التمثيل السياسي على المستوى الوطني والجهوي، وبين هشاشة الحياة اليومية للسكان في الدواوير والمراكز التابعة للقبيلة.
لقد عرفت المنطقة تداول العديد من الأحزاب على تمثيلها، بدءاً من حزب الاستقلال الذي ظل لسنوات ركيزة انتخابية، مروراً بالاتحاد الدستوري والحركة الشعبية، وصولاً إلى العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية والتجمع الوطني للأحرار. هذا التنوع الحزبي لم يأتِ مصادفة، وإنما نتيجة لتحالفات ظرفية، وصراعات محلية، وأحياناً لوزن العائلات والأعيان أكثر مما هو تعبير عن اقتناع سياسي أو برنامج انتخابي. المشهد الحزبي هنا لا يتحدد فقط بخطابات المؤتمرات ولا بالشعارات الوطنية، بل بموازين القوى القبلية والقدرة على استمالة الدواوير وحسم المنافسات عبر الروابط العائلية والقبلية.
أبناء القبيلة وصلوا إلى البرلمان بأعداد ليست قليلة. في دائرة سطات نجذ خلال الانتخابات الأخيرة بوز اسم محمد غياث عن التجمع الوطني للأحرار كنائب عن سطات وكنائب لرئيس مجلس النواب، كما انتخب المصطفى القاسمي عن حزب الاستقلال، ومحمد هيشامي عن الحركة الشعبية، وسعيد انميلي عن الاتحاد الاشتراكي. وفي انتخابات 2016 تعاقبت أسماء أخرى مثل هشام هرّامي عن الأصالة والمعاصرة، حسن حاريس عن العدالة والتنمية، المصطفى زهواني عن الاتحاد الدستوري، ورشيد بهلول عن الاتحاد الاشتراكي. كما سجل اسم مصطفى دحماني في مجلس المستشارين، إلى جانب حضور جهوي للقبيلة في مجلس جهة الدار البيضاء–سطات من خلال ربيع أبو الفضل. هذا الحضور البرلماني والجهوي يؤكد أن القبيلة تمثل وزناً انتخابياً لا يمكن تجاوزه، لكنها في المقابل تواجه واقعاً لا يعكس هذا التمثيل.
فالساكنة ما تزال تعاني من طرق غير معبدة تعيق التنقل، ومن نقص حاد في الماء الصالح للشرب، ومن خدمات صحية شبه غائبة تجعل أبسط الأمراض تتحول إلى معاناة يومية، ومن مدارس تفتقر إلى التجهيزات والموارد البشرية. هذه المشاكل ليست جديدة، بل هي تكرار لمعاناة طال أمدها، ومع ذلك بقيت وعود التنمية تتأجل دورة بعد دورة واستحقاقاً بعد استحقاق. كل حزب يدخل بخطاب الأمل ويخرج بذرائع الفشل، والسكان في كل مرة يجدون أنفسهم أمام نفس السؤال: أين ثمار هذا التمثيل البرلماني المتعدد؟
الجواب قد يكون في طبيعة السياسة ذاتها داخل بني مسكين. فالممارسة السياسية في هذا الفضاء لا تنفصل عن البنية القبلية التقليدية، حيث الولاء للعشيرة يسبق الولاء للحزب، وحيث يُحسب للمنتخب قدرته على ضمان المصالح الفردية والوساطات أكثر من كفاءته في صياغة مشروع تنموي متكامل. أما السلطة الإدارية، فهي بدورها فاعل أساسي في ضبط التوازنات المحلية، فالقائد والدائرة والإقليم يشكلون أحياناً حَكماً بين الأطراف، وأحياناً أخرى طرفاً مؤثراً يحدد اتجاه التحالفات والمسارات.
النتيجة أن السياسة هنا تتحول إلى لعبة مواقع لا إلى ورشة بناء. فالتمثيل البرلماني الواسع لم ينعكس على تحسين البنية التحتية، والوجود الجهوي لم يستطع بعد أن يجلب استثمارات ومشاريع تليق بمكانة القبيلة. ما يتكرر هو مشهد انتخابي موسمي يستهلك الوعود، بينما الواقع يعيد إنتاج نفس الأعطاب. لذلك يخرج الناس بانطباع أن السياسة في بني مسكين ليست أداة للتنمية، بل واجهة لإعادة إنتاج النفوذ القبلي والمصالح الخاصة.
قد يقول البعض إن القبيلة ليست استثناء، وإن هذا المشهد يعكس أزمة وطنية عامة في ربط التمثيل السياسي بالتنمية. وهذا صحيح، غير أن خصوصية بني مسكين تكمن في وزنها الكبير وفي تراكم تاريخي من المشاركة السياسية جعلت منها نموذجاً بارزاً للمقارنة. فإذا كانت منطقة بهذا الحضور في البرلمان والجهة تعيش كل هذا الحرمان، فما الذي يمكن أن ننتظره من مناطق أقل حظاً في التمثيل؟
اليوم لم يعد السؤال من يمثل القبيلة، بل ماذا قدم الممثلون لها. فالأسماء تتبدل، والأحزاب تتناوب، لكن الفقر البنيوي يظل ثابتاً. وما لم تتغير قواعد اللعبة، وما لم تُربط الثقة الشعبية بمشاريع واقعية، سيبقى المشهد السياسي في بني مسكين مجرد دوران في حلقة مفرغة. أبناء القبيلة يستحقون أكثر من مجرد خطابات، يستحقون رؤية شجاعة تعيد الاعتبار للأرض والإنسان. وما لم يحدث ذلك، ستظل السياسة بالنسبة لهم مناسبة للتصويت، لا أداة للتغيير.

