الشباب في قلب الدخول السياسي: أزمة الوساطة الحزبية ورهانات التجديد
يشكل الدخول السياسي في كل سنة مناسبة لإعادة طرح أسئلة عميقة حول مستقبل الحياة الديمقراطية بالمغرب، ومدى قدرة الفاعلين السياسيين على الاستجابة لمتطلبات مجتمع متغير يتطلع إلى أفق أفضل، وإذا كان البرلمان يفتتح سنوياً بخطاب ملكي يؤطر الأولويات، فإن النقاش العمومي يظل مشدوداً إلى سؤال قديم/جديد: أين موقع الشباب في قلب الدينامية السياسية؟
لقد بات واضحاً أن الشباب المغربي، الذي يمثل القوة الديمغرافية الأكثر وزناً، يعيش تناقضاً صارخاً بين حضوره القوي في الفضاءات الاحتجاجية والرقمية، وغيابه النسبي عن الهياكل الحزبية والمؤسسات التمثيلية.
هذا التناقض يفضح أزمة عميقة في آليات الوساطة السياسية، ويضع الأحزاب أمام مسؤولية تاريخية لم يعد ممكناً تأجيلها.
الدخول السياسي ليس مجرد عودة شكلية للمؤسسات إلى عملها العادي، بل هو لحظة رمزية لقياس المسافة بين الخطاب والممارسة.
وهنا يطرح سؤال الشباب كأحد أعقد الأسئلة: هل استطاعت الأحزاب أن تبتكر لغة جديدة تستوعب تطلعات الأجيال الصاعدة، أم أنها ما زالت أسيرة قوالب تقليدية تكرر نفس الوجوه ونفس الأساليب؟
من يتأمل خطاب الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي، يدرك بسرعة أن هناك فجوة هائلة بين لغة الشارع الرقمي ولغة السياسة الرسمية. فالشباب يستعمل مفردات حادة وساخرة للتعبير عن رفضه للواقع، بينما تكتفي الأحزاب بخطاب خشبي يفتقر إلى الجرأة والوضوح. وهذا ما يفسر العزوف المتزايد عن المشاركة الانتخابية، بحيث تحولت صناديق الاقتراع إلى مرآة لعدم الثقة.
غير أن تحميل الشباب وحده مسؤولية العزوف فيه قدر من الإجحاف، إذ أن الأحزاب لم تنجح بعد في تجديد نخبها، وظلت حبيسة صراعات داخلية وولاءات شخصية، في حين أن الديمقراطية الداخلية ما زالت مطلباً مؤجلاً أكثر منها واقعاً معاشاً.
لقد تحدث النموذج التنموي الجديد عن ضرورة إدماج الشباب كفاعل أساسي في التنمية، عبر توفير فرص التشغيل وتعزيز الابتكار والعدالة الاجتماعية. لكن السؤال الجوهري هو: كيف يمكن للأحزاب أن تتحول إلى فضاءات حقيقية للتأطير وصناعة القرار، بدل أن تبقى مجرد محطات انتخابية موسمية؟
إن أزمة الوساطة الحزبية ليست تقنية فحسب، بل هي أزمة ثقة عميقة.
فالشباب لم يعد يرى في الحزب مدرسة للتنشئة السياسية كما كان الأمر في عقود سابقة، بل أصبح يعتبره مجرد جهاز انتخابي محكوم باعتبارات الزبونية والمحسوبية.
وهذا الانطباع يعكس واقعاً ملموساً، حيث نجد أن ولوج المناصب القيادية غالباً ما يتم وفق معايير الولاء أكثر من الكفاءة.
في المقابل، يظل الشباب حاضراً بقوة في الحركات الاجتماعية وفي المبادرات الجمعوية، وهو ما يثبت أن روح المشاركة لم تمت، لكنها تبحث عن قنوات بديلة خارج الإطار الحزبي التقليدي.
هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف وظيفة الحزب، ليس كواجهة انتخابية فقط، بل كمنصة دائمة للتفاعل مع قضايا المجتمع.
ومن مظاهر الأزمة أيضاً هيمنة الوجوه السياسية القديمة التي تتداول المناصب نفسها لعقود، ما يجعل الشباب يشعر بأن “الزمن السياسي” متوقف عند نفس الأسماء، بينما تتطلب المرحلة الراهنة جرأة في إفساح المجال لدماء جديدة تحمل أفكاراً مبتكرة وتصورات بديلة.
ليس المطلوب أن يكون الشباب مجرد “زينة” انتخابية أو ديكور لتلميع صورة الحزب، بل أن يتحول إلى قوة اقتراحية وصانعة للقرار داخل الهياكل، ولعل التجارب العالمية تثبت أن الأحزاب التي راهنت على تجديد النخب استطاعت أن تستعيد ثقة المجتمع، في حين أن الأحزاب التي قاومت التغيير عاشت نهايات باردة وانطفأت.
إن الدخول السياسي اليوم يمثل اختباراً حقيقياً للأحزاب: هل ستستمر في الدوران داخل الحلقة المفرغة ذاتها، أم أنها ستلتقط الرسالة الواضحة التي يبعثها الشارع الرقمي والاحتجاجي؟ فالزمن لم يعد يسمح بالمناورات الكلاسيكية، بل يفرض لغة جديدة قائمة على الوضوح والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن دون إدماج فعلي للشباب، سيظل الدخول السياسي مجرد طقس بروتوكولي فاقد للروح.
أما إذا اختارت الأحزاب أن تفتح أبوابها بصدق أمام الأجيال الجديدة، فإنها ستمنح لنفسها فرصة للبقاء والاستمرار.
في النهاية، يمكن القول إن مستقبل السياسة في المغرب مرتبط بقدرة الفاعلين على إعادة بناء الثقة، ولن يتحقق ذلك إلا عبر الاستثمار في الشباب، باعتباره ليس فقط “مستقبل الوطن”، كما يقال عادة، بل حاضره وقوته المحركة.
فالشباب اليوم لا ينتظر وعوداً فضفاضة ولا شعارات جوفاء، بل يبحث عن معنى لمشاركته، وعن فضاء يشعر فيه بالكرامة والاعتراف، والأحزاب التي ستفهم هذا المنطق ستكون هي المستفيدة في المستقبل، أما الأخرى فستجد نفسها خارج التاريخ.

