البرامج لا تصنع النهضة… بل القيم والمؤسسات”
من جديد، تطلق الدولة جيلاً جديداً من “برامج التنمية”، وكأننا أمام مسلسل بلا نهاية، تتغير فصوله وأبطاله، لكن سيناريو الفشل يظل ثابتاً. فالمغرب، أيها السادة، لا يحتاج إلى براديغمات تقنية تدار من فوق، بل إلى مشروع حضاري جامع، يؤسس لثقافة سياسية جديدة، ويربط التنمية بالحرية، والعدالة بالكرامة، والمواطنة بالديمقراطية.
لسنا في حاجة إلى وثائق ملونة تُعلن من منصة رسمية، بل إلى قطيعة حقيقية مع الاستبداد والفساد.
لسنا في حاجة إلى لجان تقنية تُعيد إنتاج الأعطاب، بل إلى نخبة صادقة، نظيفة اليد والفكر، مؤمنة بأن مشروع الأمة لا يُبنى إلا بالثقة والمشاركة، لا بالإقصاء والتهميش.
تذكروا أنكم جربتم، لعشرات السنين، نفس الوصفات: برامج استعجالية، مخططات تنموية، استراتيجيات قطاعية… لكنكم رفضتم، وعن سبق إصرار، أن تستخلصوا الدروس من فشلها. وكأن الغاية لم تكن يوماً بناء الوطن، بل كسب الوقت وإدامة السيطرة.
ألا تعلمون أن أخطر ما هدمتموه لم يكن البنية الاقتصادية ولا المؤسسات الإدارية، بل كان الثقة؟ والثقة حين تنهار لا تُبنى بمرسوم أو خطاب، بل تحتاج إلى زمن طويل وجهد مضاعف، وإلى حدٍّ أدنى من الصدق السياسي.
الشعب المغربي ليس قطيعاً، بل شعب له ذاكرة حية، نعم، هو صبّار، صامد، مُعاند، يمنح الفرصة تلو الأخرى، لكنه في لحظة تاريخية معينة يعرف كيف يقول: “كفى”. والتاريخ يعج بأمثلة عن شعوب ظُنّ أنها “أليفة”، لكنها فجأة قلبت المعادلات.
أوقفوا خداعكم لأنفسكم.
بإمكانكم تضليل واحد ألف مرة، وبإمكانكم تضليل ألف مرة واحدة، لكن لن تستطيعوا أبداً تضليل ألف شخص ألف مرة.
هذه معادلة لا ترحم، وحين يسقط القناع، يسقط كل شيء.

