طلوع عبدالإله يكتب: لماذا لم يُعلَن بعد خطاب النصر؟
كان بإمكان المغرب أن يُعلن “الانتصار الاستراتيجي” في قضية الصحراء، وهو يراكم اليوم اعترافات دولية، ويقود تحولًا في مواقف قوى وازنة داخل الأمم المتحدة، ويؤسس لواقع جديد من خلال دبلوماسية اقتصادية وأمنية متينة في العمق الإفريقي. لكن، في خطاب عيد العرش، لم يتجه الملك محمد السادس إلى لغة النصر أو مفردات التفوق، بل وجّه خطابًا جديدًا نحو الجزائر… فهل تأجل خطاب النصر؟ أم أن في التريث سياسة أبعد من أن تُختزل في لحظة استعلاء؟
الملك اختار توجيه رسالة شخصية للأشقاء في الجزائر، بلغة هادئة خالية من الاستفزاز، وفيها إلحاح على أن ما يفرق الشعبين لا يمكن أن يكون أكبر مما يجمعهما.
هذا الاختيار في حد ذاته ليس ضعفًا، بل تعبير عن منطق الدولة، وعن مدرسة مغربية في ممارسة القوة الناعمة بتأنٍ وبُعد نظر.
لا يتعلق الأمر هنا بعبارات مكرورة من قبيل “مصير مشترك” أو “وحدة مغاربية مؤجلة”، بل نحن أمام عرض سياسي غير مباشر: المغرب مستعد لإعادة بناء الثقة، حتى وهو يدرك أن القيادة الجزائرية ما زالت تُقامر برهانات خاسرة في ملف الصحراء، ورغم ذلك، يصرّ المغرب على أن يترك نافذة مشرعة نحو المستقبل.
في العمق، هناك ثلاث رسائل كبرى يمكن استخلاصها من خطاب العرش:
1. تمييز بين النظام والشعب: الخطاب فصل بوضوح بين النظام الجزائري والمواطنين الجزائريين، وهي صيغة ذكية تضع الحرج في ملعب السلطة دون المساس بالروابط العاطفية والتاريخية بين الشعبين.
2. استراتيجية ضبط النفس: المغرب يُدير قوته الناعمة بتعقّل، ويمارس نوعاً من الاحتواء الدبلوماسي لتناقضات الخصم، دون أن ينجرّ إلى المواجهة الكلامية التي تتغذى منها المنظومة العسكرية في الجزائر.
3. تأجيل لحظة الانتصار من موقع قوة: لأن المنتصر الحقيقي ليس من يصرخ أولًا، بل من يُمسك بخيوط اللعبة حتى النهاية، المغرب يدرك أن الإعلان السياسي عن النصر لا يكون في خطاب ظرفي، بل في لحظة إغلاق الملف نهائيًا – وربما قد تأتي هذه اللحظة يوم 6 نونبر المقبل، في خطاب المسيرة الخضراء.
لذلك، قد لا يكون خطاب العرش مجرد دعوة للحوار فقط، بل هو أيضاً إمهال للخصم حتى يعيد ترتيب مواقفه، قبل أن تُغلق كل النوافذ أمام أي تفاهم، وحينها فقط، قد يكتب التاريخ أن النصر لم يُعلَن لأنه ببساطة صار واقعًا لا يحتاج إلى إعلان.
بقلم الدكتورعبد الإله طلوع: باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

