المغرب في عهد محمد السادس: من تثبيت الاستقرار إلى صناعة المكانة الدولية
منذ اعتلائه عرش المملكة في 30 يوليوز 1999، اختار جلالة الملك محمد السادس أن يجعل من الاستقرار نقطة الانطلاق، ومن التحول الاستراتيجي ركيزة البناء، ومن التنمية الشاملة أفقًا دائمًا. اليوم، وبعد ستة وعشرين عامًا من الحكم الرشيد، يمكننا أن نقف عند مسار مغربي متفرّد، لم يكن سهلًا ولا خاليًا من التحديات، لكنه كان مثمرًا في توطيد الدولة وتعزيز موقعها في النظام الدولي.
إن أول ما يلفت في المشروع السياسي للملك محمد السادس هو حرصه المتواصل على تحديث الدولة مع الحفاظ على استمراريتها التاريخية، إذ لم يكن خيار التغيير لحظة قطيعة، بل مسارًا تراكمياً يعيد تأسيس العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويعيد هندسة الدولة من الداخل في ضوء متغيرات الداخل وإكراهات الخارج.
وقد تميز العقدان الأخيران بتوسيع هامش الحريات العامة، وتكريس مؤسسات حقوق الإنسان، والتأسيس لدستور 2011 الذي عكس تعاقدًا جديدًا بين الدولة والمجتمع، سمح بترسيخ الخيار الديمقراطي كمكون دستوري لا رجعة فيه.
في المستوى الدبلوماسي، استطاع المغرب أن يتحول من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، وهو ما تجلى في قضية الصحراء المغربية التي أصبحت اليوم تحظى بدينامية اعتراف دولي واسع، وأصبحت الرباط وجهة إقليمية ودولية لمقاربات الوساطة والحوار، ما جعلها تتبوأ موقعًا محوريًا في الأمن الإفريقي والأورومتوسطي.
اقتصاديًا، تمكّن المغرب من تعزيز استثماراته الاستراتيجية في الطاقات المتجددة، وقطاع الفلاحة، وصناعة السيارات والطائرات، مما جعله شريكًا موثوقًا للاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة، كما نجح في إطلاق مشاريع ضخمة، مثل ميناء طنجة المتوسط، ومحطات تحلية المياه، وربط الموانئ بالسكك الحديدية.
لكن الإنجاز الأهم يظل في الحفاظ على توازن الدولة رغم الأزمات المتتالية، من الأزمة المالية العالمية سنة 2008، إلى أزمة كورونا، مرورًا بتوترات الجوار، وارتفاع التحديات الأمنية والهجرات الجماعية، ورغم كل ذلك، ظل المغرب صامدًا في وجه التقلبات، مستندًا إلى شرعية سياسية متينة ومؤسسات متماسكة.
إن الحديث عن ستة وعشرين عامًا من الحكم ليس فقط سردًا للمنجزات، بل تأكيد على أن الدولة المغربية، بقيادة جلالة الملك، استطاعت أن تحقق توازنًا نادرًا بين الأمن والانفتاح، بين الاستقرار والإصلاح، وأن تراكم مشروعًا تنمويًا ذا أفق استراتيجي.
وإذا كانت المرحلة المقبلة تفرض تحديات جديدة، في مقدمتها الرهانات الاجتماعية والعدالة المجالية والشغل والذكاء الصناعي، فإن ما تحقق إلى حدود اليوم يجعلنا نثق في قدرة المغرب، بقيادة جلالة الملك، على تحويل هذه التحديات إلى فرص، ومواصلة طريق التميز والاستثناء المغربي.

