الانتحار في المغرب: أزمة إنسانية ومسؤولية سياسية

الانتحار في المغرب: أزمة إنسانية ومسؤولية سياسية
سعيد حفيظي:

ما يحدث اليوم في المغرب ليس «ظاهرة اجتماعية» كما يحلو للمسؤولين أن يسموها لتخفيف وقع الكارثة، بل هو جريمة مكتملة الأركان ترتكبها الدولة والمجتمع باسم الإهمال والبرود والجبن.
في بلد تتكدّس فيه الثروات في جيوب قلة قليلة، ويتفاخر فيه المسؤولون بمؤشرات نمو لا يلمسها أحد، يموت المواطنون شنقًا وغرقًا وحرقًا كل يوم. شباب، نساء، آباء، يسقطون واحدًا تلو الآخر بعدما أغلقت في وجوههم كل أبواب الحياة الكريمة. لا شغل، لا أفق، لا عدالة. ولا أحد من صناع القرار يجرؤ على الاعتراف بأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تُدبّر البلد منذ عقود هي السبب الأول لهذا اليأس الجماعي.
الدولة مسؤولة لأنها تخلت عن دورها في حماية أرواح الناس. تركتهم فريسة البطالة والهشاشة، وأدارت ظهرها لمرضهم النفسي، وصرفت الملايير على واجهات براقة بدل أن تبني مستشفيات وأخصائيين ومراكز دعم. الدولة التي لا تعلن حالة طوارئ اجتماعية وهي ترى مواطنيها ينتحرون بالعشرات، دولة جبانة وعديمة الضمير.
والمجتمع، بكل ما فيه من نفاق وقسوة، شريك في الجريمة. يشيح بوجهه عن الفقراء والمهمشين وهم أحياء، ثم يلعنهم ويعيب عليهم ضعفهم عندما ينتحرون. شعب أدمن لوم الضحايا بدل أن يثور على جلاديهم.
أما المؤسسة الدينية، فقد حُوّلت إلى بوق للتحريم والوعيد فقط. كلما انتحر شاب خرجوا ليذكروه بأن ما فعله حرام، وكأن التحريم وحده يكفي ليخلق الأمل في قلوب الناس. الدين الذي لا ينتصر للعدل والرحمة ولا يفضح الظلم، لا يصلح إلا كأداة تخويف في يد السلطة.
ما يحدث اليوم فضيحة سياسية وأخلاقية، ودليل آخر على فشل النموذج المغربي في حماية أبسط حقوق الناس. الحق في الحياة لا يُستجدى ولا يُوعظ به، بل يُضمن بالسياسات والعدالة والكرامة. الذين ينتحرون ليسوا مجرد ضحايا لأزمات نفسية، بل شهداء على خيانة الدولة والمجتمع والدين لهم.
من لم يغضب لهذا النزيف اليومي، فلا حق له أن يتساءل غدًا لماذا يختار الناس الموت.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *