حفريات على قبور الحضارة ..

حفريات على قبور الحضارة ..
بقلم سعيد ألعنزي تاسفين

يجمع مؤرخوا الفكر الغربي عن الصدمات الكبرى التي تعرض لها الإنسان في العصور الحديثة ، و هي صدمات ، بتعبير سيغموند فرويد ، خدشت نرجسية الإنسان ، بحيث نجحت في إزاحته عن المركزية . إنها الثورة الكوسمولوجية مع كوبيرنكوس ، و الثورة البيولوجية مع شارل داروين ، و الثورة السيكولوجية مع سيغموند فرويد . و كل هذا حصل ضمن انزياح أكبر هو المركزية الانتروبولوجية ، أو لنقل ؛ المركزية القيمية و المعرفية التي نصّبت الإنسان مرجعا معرفيا و قيميا . إنها نقطة أرشميدس الكونية بتعبير حنة أرندت و هكذا كان .

إن ميتافيزيقا الحضارة الغربية تتمثل في الذاتية و النزعة الإنسية على أساس العقل كما ورد بين ثنايا الكوجيطو الديكارتية او الفعّالية عند لايبينيز . و قد يكون كانط أكثر دقة في حديثه عن النشاط التركيبي ، قبل حلول فهم فِيشْته بخصوص الإنيّة . و أعتبر أن فرويد أصاب كبد الحقيقة عندما رأى أن العقل ليس إلا غلالة رقيقة تقوم خلفها قوى غير واعية ، و هي الموجِّهة للوعي و السلوك ، حيث أن ما يضبطه العقل مجرد هوامش محدودة ضمن وجود رحب و ممتد سيكولوجيا بما يشرعن الحاجة إلى التأويل الأنتروبولوجي للعقل . إن النقد السيكولوجي ، في نظري ، هو أعنف نقد تلقته النزعة الإنسانية الغربية . كيف لا و كل هذا الرعب الذي يلازم البشرية تحت تهديدات كوفيد التاسع عشر يحرك غريزة الحياة التي تصارع إرادة الموت فينا حتى أضحت حضارة العقل عن بكرة أبيها خاضعة لسلطة المختبر كمدخل استراتيجي لتحقيق الإنزياح الأكبر الذي يخدم توازن الربح كما جاء بها ” وحي ” العلب المغلقة . و أزعم أن كل ما يصاحب الحضارة العصرية من مظاهر التفوق ليست سوى محاولات لتذويب مفهوم الإنسان كما يذهب كلود ليفي ستراوس . و الجميل هو محاولة تفسير الحاصل من رِدّة بسيكولوجية بمنطق بُنيوي ، لأن البنيوية ترى أن الإنسان ليس حرا حتى في أحلامه و تخيلاته و أمراضه و عقده النفسية ، و كل ما يرتبط بالإنسان إنما يخضع لحتمية سوسيو – كونية صارمة لا مناص منها في تحقيق التحول و توطيد شرعيته . إنها باختصار فكرة موت الإنسان . و لماذا تنهزم الحضارة الغربية أمام فيروس لعين ، على أشلاء الطفرة التكنولوجية و البيولوجية التي تحققت منذ قرنين من الأن ؟ إن هايدغر ذهب بعيدا حتى اعتبر الإنسان مجرد مواد تجهيز ، أو شيء من الأشياء القابلة للإستعمال بما يؤكد فكرة اللامعنى في سياقات انتصار التقنية الرأسمالوية . إن التقنية هذه نجحت في إخضاع البشر الى قياس المنفعة بمنطق أداتي Instrumentale كما صرح ماكس فيبر عبر أدوات السلعنة و الشيئ . و هنا أعتبر أن دريدا كان أكثر جرأة في ضحد الإرث الديكارتي بفؤوس نقد العقل ضمن تحول كبير في منطق الإشتغال .

و تحت تداعيات كورنا أتساءل :

من أين نبدأ الأن لفهم ما يقع ؟ سؤال البداية يكشف مأزقا حضاريا حقيقيا يتجاوز مفهوم النقد المزدوج عند الخطيبي ؟ نحو حفريات المعرفة عند فوكو .

ماذا نفعل لنخرج من أزمنة القلق الحضاري بلغة فرويد إلى زمن الوعي الذتاني بالحتميات كما ينشد كلود ليفي ستراوس ؟

كيف سيكون مصير البشرية مستقبلا بعد تقويض أسس التحليل الإبيستيمولوجي لصالح التسلط المختبرولوجي المنتج للحقيقة على مقاس المعنى الهولامي للموت ؟

كيف نوفق بين المعاني و القيم المترسخة في ذهنيتنا و تراثنا و بين هذا الشلال الكوني المتدفق من الرموز و الدلالات المركبة ؟

هل يمكن مواصلة الإيمان بالعقل العملي في ظل صدمة العقلانية البيولوجية تحت وطأة الحقيقة التي ينتجها المختبر ؟

هل استنفدت الحداثة كل أهدافها بشرعنة تمويت الإنسان في بعدايه التجريبي و المتعالي ؟

هل يجوز اعتبار العقل النقدي محكمة عليا يتعين أن نخضع لحكمها و قرارها ، دون الإستسلام للحقائق المفبركة على مقاس الربح ؟

هل يمكن الفصل المنهجي بين دائرة المعرفة و دائرة الإعتقاد ؟

هل يتطلب الوضع في سورياليته بعث الروح في جسد كانط او سبينوزا أم كونط أو فيبر ام فرويد أو ستراوس ؟ أم ان الماركسية أدق قدرة على فضح المستور ؟

يبدو لي أن كوفيد 19 يسترعي لزوما الإعتراف بانبثاق الإنسان كذات فاعلة و كموضوع للمعرفة ، و المعنى المسند للفهم هنا معنى إبيستيمولوجي بالأساس ، بما يؤكد مشروعية العلوم الإنسانية للدراسة و التفكيك .

الحقيقة و الوهم ..

يقتفي ميشكل فوكو أثر التحليل الذي اعتمده مارثن هايدغر ؛ معتبرا كانط عتبة الحداثة . فهو الفيلسوف الذي جعل الإنسان وحدة تتشكل من عنصرين : التجريبي و المتعالي ، و هي القِسمة التي ظهرت مع كانط و مهّدت لميلاد الإنسان كموضوع على سطح المعرفة . يلاحظ فوكو إن كانط نجح في التأسيس لفلسفة الذات و التأمل ، في اتجاه العقل النقدي كمحكمة عليا ، تعتني بأبعاد مركبة منها العقل العملي و الحكم الجمالي و المعرفة النظرية .

فهل نحتاج على ضوء التقلبات المميزة لزمن ما بعد الحداثة إلى بعث الروح في كانط كما يذهب لوك فيري ؟ علما ان نقد العقل الخالص يتضمن قلبا جذريا للعلاقة بين المتناهي و اللامتناهي ، بما يزكي طروحات ديكارت و سبينوزا و ليبنتز ؛ حيث يوجد المطلق أولا ثم يأتي الإنسان ككائن محدود ؛ الكائن النسبي . إن نجاح كانط بالنسبة لي يكمن في قدرته على وضع أسئلة دقيقة و عميقة و مستفزة بشكل مؤسّس منهجا و على قاعدة الشك المنهجي .

نتساءل على ضوء نقد العقل ، كيف للغرب الذي غيّر المسلمات منذ خمسة قرون عبر دينامية مسترسلة دشّنها رواد النهضة الأروبية في ايطاليا و الإصلاح الديني و الإكتشافات الجغرافية و الثورات العلمية خاصة في مجال الفلك مع كوبرنيك و كاليلو و في ميدان البيولوجيا مع لامارك و داروين ، ثم الثورة الصناعية في انجلترا ، و الثورة الفرنسية ، و الثورة الأمريكية ، و الثورة الروسية ، و الثورات العلمية و الصناعية المتواصلة راهنا و أساسا الصناعات العسكرية و غزو الفضاء ، و كل ثورات ما بعد الحداثة .. أن ينهار أمام فيروس قديم / جديد ؟!

إن دينامية الحداثة نشأت و استمرت كحركة دينامية عصفت بكل الأصنام التقليدية و خلخلت كل الذهنيات العتيقة و أسست لتصور جديد للعالم عبر عدة صدمات أخيرها الصدمة المعلوماتية . فهل يجوز قبول فرضية انهيار الغرب أمام صدمة المختبر الذي أعاد العقل إلى درجة الصفر ؟ أم أن الحاصل مجرد عودة منهجية مقصودة إلى زمن اللاعقل كشكل مؤسس للفوضى تمهيدا لعصر جديد يكيف شروط الهيمنة تماهيا مع محددات السياق ؟ إذ مشروع أن نتساءل كيف للحداثة التي بلغت في مرحلة ما بعدها ، post modernité ؛ مرحلة إعلان موت الله ، بالحسم الفيلولوجي و التعبيري مع السماء ( الحسم مع المثل الزهدي الأعلى ) كما عند نيتشه ، أن تعجز عن توظيف كل التراكم العلمي الحاصل لكبح جماح فيروس يُراد له أن يكون مجهول الهوية خدمة للغموض المقدس ؟

هل لما وقع علاقة مع إعادة ضبط ما يسميه السوسيولوجيون بالمجتمع الإستهلاكي او مجتمع الوفرة ؟ حتى أن الإستهلاك هو محرك مجتمع ما بعد الحداثة وفق شروط السوق . و هنا نصادف تعبيرات جديدة تنبني على توصيفات تشرعن التسلط الناعم من طينة الرأسمالية الجديدة ، الرأسمالية الشعبية ، و كل ذلك ضمن النظام السيبيرنيطيقي الرأسمالي الجديد ؛ وفق تسميات تقنية خالصة مثل المجتمع ما بعد الصناعي ( دانيال بيل ) و المجتمع التكنوقراطي ( آلان توران ) او المجتمع التكنوتروني ( بريزنسكي ) و الذي يستهدف التحكم الناعم في إرادات القطيع ؟

عموما إن الحاصل على ضوء كورنا و ما يحصل في إيبانه من بحث عن اللقاح يضع كل الثورات المعرفية و العلمية الحاصلة على محك النقد المركب ، كما أن لازمة انتصار الغرب و إخضاع السماء إلى ميزان الأرض ، مع ما رافق ذلك من التسويق المابعد الحداثي لموت الله ، يشرعن زخما من التساؤلات في مآل هذا العالم الذي يرزح تحت سلطة المختبر .

و في انتظار كودو لتولد الحقيقة بعيدا عن الأوهام و الأساطر المؤسسة لتفوق المختبر ، ها نحن نتابع و كل يوم و أسرار كورنا تنكشف تحت ضغط الأسئلة النقدية في انتظار انتصار البشرية بعيدا عن دسائس الصعالك الجدد لصالح صون كرامة البشر بعيدا عن أجندة المختبر و رهانات الرأسمال .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *