صفعة تهز الدولة و88 غرزة لا تحرك القضاء!
في المغرب، حين تتحول العدالة إلى موازين متقلبة تُقاس بوزن السلطة لا بوزن الجريمة، يصبح الحديث عن دولة الحق والقانون مجرد شعارات فارغة تتلاشى أمام أول امتحان ميداني. النموذج الصارخ الذي يكشف هذا الخلل البنيوي هو ما عُرف إعلاميًا بقضية “مولات 88 غرزة”، التي تعرّضت فيها امرأة لاعتداء جسدي خطير خلف لها جروحًا غائرة، استدعت خياطة جسدها بـ88 غرزة، ونتج عنها عجز طبي موثق بـ35 يومًا، حسب شهادة طبية رسمية. ومع ذلك، لم يحكم القضاء إلا بسجن المعتدي لمدة شهرين فقط، مع غرامة مالية بسيطة لا تعكس أبدًا حجم الألم الذي عاشته الضحية، ولا فظاعة الفعل المرتكب في حقها.
منطق العقاب هنا يطرح أسئلة جدية حول الكيفية التي تُقيّم بها المحاكم الأذى الجسدي، خصوصًا حين يكون الضحية امرأة من طبقة اجتماعية متواضعة، ولا تملك من النفوذ أو الظهور ما يكفي لإثارة اهتمام مؤسسات الدولة أو حشد التعاطف الإعلامي. فالمُعتدى عليها في هذه القضية لم تُهاجم موظفًا عموميًا، ولم تمس “هيبة الدولة”، بل فقط كُسرت هيبتها الشخصية، وانتهكت كرامتها الجسدية، ما جعل الجريمة في نظر القضاء تنتمي إلى خانة “الجنح العادية”، التي لا تستحق تشديد العقوبة. هذا في حد ذاته يُفقد المنطق القانوني توازنه، ويطرح إشكالية العدالة الانتقائية التي تفرق بين الضحايا على أساس الموقع الاجتماعي أو الرمزي.
في المقابل، لا يمكن إغفال المفارقة الحادة التي فجّرتها قضية المرأة التي صفعت قائدًا بمدينة تمارة، في واقعة موثقة بالفيديو، صحيح أنها تُظهر سلوكًا غير مقبول قانونيًا وأخلاقيًا، لكن تداعياته الجسدية لا تقارن، بأي شكل من الأشكال، بما تعرضت له السيدة خديجة في ملف “88 غرزة”. الصفعة لم تُخلف عجزًا، ولا دمًا، ولا خياطة، ورغم ذلك تم اعتقال السيدة وزوجها وشقيقه وشخص آخر، وتُوبعوا بتهم ثقيلة، منها العصيان وإهانة موظف عمومي والعنف ضد موظف أثناء تأدية مهامه. وهنا نلاحظ أن “صوت الصفعة” أقوى من “ألم السكين”، فقط لأن المصفوع يحمل صفة “قائد”، بينما المطعونة امرأة بسيطة لا سلطة لها ولا سند.
ما يزيد من عبثية المفارقة أن دفاع المتهمين في قضية تمارة أشار إلى وجود ما وصفه بـ”توضيب وتقطيع” في الفيديو المتداول، ما يعني أن الواقعة لم توثق من بدايتها، وأن الصفعة جاءت، حسب روايتهم، كرد فعل على استفزاز وتعنيف مسبق. ومع ذلك، تعاملت السلطات مع الملف بسرعة وقسوة، وحرصت على تقديم المتهمين أمام النيابة العامة في وقت وجيز، فيما يبدو أنه سعي لإظهار الحزم حين تمسّ الدولة في شخص ممثليها، ولو بصفعة. أما حين تمزق أجساد النساء بالسكين، فالقانون يتعامل بهدوء غريب، ويصدر أحكامًا هزيلة لا تحمل أي رسالة ردع أو إنصاف.
إن هذا التباين ليس فقط دليلاً على خلل في تأويل القانون، بل على ميز مزدوج واضح في تطبيقه. حين تتهدد السلطة، تتدخل الدولة بكامل أجهزتها، ويُستنفَر الإعلام الرسمي، وتُشدّد العقوبات. أما حين يُمارَس العنف على امرأة، أو مواطن بسيط، فإن القضية تتحول إلى ملف عادي في رفوف المحاكم، يمرّ كما تمرّ مئات القضايا التي لا تثير ضجة ولا رد فعل. وهذا يعكس انحرافًا خطيرًا في فلسفة العقاب، حيث أصبح وزن الضحية هو ما يحدد مسار القضية، لا حجم الضرر ولا طبيعة الجريمة.
إن خطورة ما يحدث لا تكمن فقط في نتائج هاتين القضيتين، بل في ما تزرعه من يأس داخل نفوس الناس. كيف يمكن إقناع المواطنين بأن القضاء منصف إذا كان الجاني الذي شوه جسد امرأة يخرج من السجن بعد شهرين، بينما من صفعت قائدًا تواجه تهمًا ثقيلة وحبسًا مشددًا؟ كيف يمكن تفسير هذا للمغاربة الذين يُطلب منهم احترام القانون والثقة في مؤسسات الدولة؟ وكيف نضمن ألا يتحول هذا الإحساس بالظلم إلى سلوك انتقامي أو شعور عام بالحقد على السلطة؟
إذا لم تراجع المؤسسات القضائية هذا النوع من الأحكام، وإذا لم يُعد النظر في مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، فإن العدالة في المغرب ستفقد ما تبقى لها من مصداقية. المطلوب ليس فقط استئناف الأحكام، بل فتح نقاش وطني جاد حول معايير العقاب، وحول كيفية حماية الضعفاء قبل الدفاع عن هيبة الموظفين. لأن هيبة الدولة لا تُقاس فقط بعدد الصفعات التي تُدان، بل بمدى قدرتها على إنصاف كل مواطن، مهما كان موقعه، ومهما كانت خلفيته.

