أزلو محمد يكتب: اختلالات هيكلية تهدد قطاع الدواجن في المغرب: أزمة عميقة وأفق غامض
في خضم واقع اقتصادي واجتماعي متقلب، تتجلى أزمة قطاع الدواجن في المغرب كواحدة من أبرز التحديات التي تواجه المستهلك المغربي اليوم. فقد اعترف أحمد البواري، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، بوجود اختلالات هيكلية عميقة في سلسلة إنتاج وتسويق الدواجن، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار هذه المادة الغذائية الأساسية. هذا الإقرار الرسمي يسلط الضوء على أزمة متجذرة، لم تعد مجرد مسألة اقتصادية عابرة، بل باتت تتشابك مع نسيج الحياة اليومية للمغاربة، مُثقلةً كاهل الأسر، ومهددةً استقرار قدرتهم الشرائية.
تتعدد الأسباب التي تقف خلف هذه الأزمة، لكنها تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة: عبء لا يُحتمل على المستهلك والمنتج على حد سواء. فقد أشار الوزير إلى أن السبب الرئيسي يعود إلى تضاعف كلفة الإنتاج، وعلى رأسها الارتفاع المهول في أسعار الأعلاف المركبة، التي تعد العنصر الأساسي في تغذية الدواجن. هذه الأعلاف، التي ترتبط أسعارها بالسوق الدولية، شهدت زيادات متتالية نتيجة اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، وتقلبات أسعار المواد الأولية، وهو ما جعل المنتجين يواجهون تكاليف إنتاج باهظة، انعكست مباشرة على أسعار البيع.
من جهة أخرى، يلعب الارتفاع الكبير في أسعار الكتاكيت دوراً محورياً في تفاقم الأزمة. هذه الزيادة، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد جانب تقني في سلسلة الإنتاج، تحمل في طياتها آثاراً اجتماعية واسعة النطاق، جعلت من الدجاج، الذي كان يُعتبر غذاءً أساسياً ومتاحاً لجميع الفئات، مادة شبه فاخرة، يصعب على الأسر ذات الدخل المحدود الوصول إليها.
لا يمكن فصل الأزمة عن السياق الدولي الذي يشهد ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار المواد الأولية واضطرابات متكررة في سلاسل التوريد. فقد ألقت هذه العوامل بظلالها الثقيلة على الاقتصاد المغربي، حيث باتت الأسواق المحلية مرآة تعكس تقلبات الأسواق العالمية. ومع تعمق هذه الأزمة، أصبح من الواضح أن القطاع يعاني من هشاشة هيكلية تجعله أكثر عرضة للصدمات الخارجية، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى جاهزية الاقتصاد الوطني لمواجهة التحديات العالمية.
في ظل هذه الظروف، يجد المستهلك المغربي نفسه في مواجهة مباشرة مع واقع مرير. فارتفاع أسعار الدواجن لم يعد محصوراً في الإطار الاقتصادي فحسب، بل أصبح أزمة اجتماعية تهدد التوازن الغذائي للأسر، حيث باتت القدرة الشرائية تتآكل أمام موجة الغلاء المتصاعدة. وما يزيد الطين بلة هو انتشار المضاربة في الأسواق، حيث يسعى بعض التجار إلى تحقيق أرباح خيالية على حساب المستهلك، مستغلين غياب الرقابة الصارمة وضعف التنظيم في سلسلة الإنتاج والتوزيع.
أمام هذا الوضع المتأزم، ترتفع الأصوات المطالبة بتدخل حكومي عاجل لوضع حد لهذه الفوضى. فتنظيم السلسلة الإنتاجية وضبط السوق باتا ضرورة ملحة، لا تحتمل التأجيل. كما أن تشديد الرقابة على المضاربين وإقرار إجراءات تسهم في خفض كلفة الإنتاج، مثل دعم أسعار الأعلاف أو توفير بدائل محلية مستدامة، أصبح مطلباً شعبياً وسياسياً يحظى بإجماع وطني.
وفي هذا السياق، يرى خبراء اقتصاديون أن الحلول ينبغي أن تكون شاملة ومستدامة، تتجاوز المعالجات الآنية التي لا تلبث أن تزول بزوال الظرفية. فمن الضروري إعادة هيكلة القطاع بشكل جذري، بما يشمل تحسين البنية التحتية، وتطوير سلاسل الإنتاج والتوزيع، وتعزيز دور التعاونيات الزراعية، لتصبح قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية وضمان استقرار السوق.
رغم قتامة المشهد، لا يخلو الواقع من بصيص أمل. فالاعتراف الرسمي بوجود اختلالات هيكلية في القطاع يعد خطوة أولى نحو التغيير. لكن الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً، ويتطلب إرادة سياسية قوية، ورؤية استراتيجية واضحة، وتضافر جهود جميع الأطراف المعنية، من الحكومة إلى المنتجين والمستهلكين.
إن أزمة قطاع الدواجن في المغرب ليست مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل هي انعكاس لتحديات أعمق تطال بنية الاقتصاد الوطني، وتختبر قدرته على الصمود في وجه الأزمات العالمية. وفي هذا السياق، يبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن الحكومة من تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإصلاح جذري وشامل، أم أن الوضع سيستمر في التدهور، لتصبح الدواجن رمزاً جديداً لمعاناة المواطن المغربي؟ الإجابة قد تحملها الأيام القادمة، لكنها بلا شك تتطلب قرارات جريئة، تتجاوز الحلول الترقيعية، نحو بناء مستقبل أكثر استقراراً وإنصافاً.

