سطات… المدينة المنسية: حين تُقصى عاصمة الشاوية من معارضها الطبيعية
يُحكى أن معرض الفلاحة بالمغرب، الذي أصبح محطةً سنوية رئيسية، كان من المفترض أن يرى النور أول مرة بمدينة سطات، عاصمة الشاوية الفلاحية. إلا أن كواليس السياسة وضغوط المصالح قد تدخلت لتنقل التظاهرة إلى مكناس، لتُحرم سطات – رغم غناها الفلاحي التاريخي – من حقها الرمزي والاقتصادي.
إن الحديث عن سطات ليس حديثًا عن مدينة عادية، بل عن مهد فلاحي عريق، احتضن عبر عقود أجود أنواع الحبوب، والمواشي وعلى رأسها الصردي الشهير عالميًا، فضلًا عن غنى ضيعات الزيتون والرمان والأنواع المتعددة من المنتوجات الزراعية التي قلما تجتمع في منطقة واحدة. ولأن الأرض لا تكذب على عاشقها، فقد استحقت سطات لقب “عاصمة الشاوية” بجدارة.
هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: من يتحمل مسؤولية هذا الإقصاء الممنهج؟
ولماذا يبدو أن هناك نوعًا من التحامل غير المبرر على هذه المدينة؟
من الناحية التحليلية، يمكن تتبع هذا الإقصاء عبر ثلاث فرضيات أساسية:
أولًا: الإرث التاريخي والذاكرة السياسية
قد يربط البعض هذا التهميش بالارتدادات النفسية والسياسية المرتبطة بشخصية إدريس البصري، الرجل القوي في مرحلة سابقة، والذي ارتبط اسمه بمدينة سطات. مع رحيله عن المشهد السياسي، سادت نزعة عقابية رمزية تجاه المدينة التي أنجبته، فباتت تدفع ضريبة انتمائها الرمزي له، في مشهد يعكس كيف يمكن للذاكرة السياسية أن تتحول إلى عبء جماعي على السكان والمجالات.
ثانيًا: تقاعس النخب المحلية
من المفارقات العجيبة أن أبناء سطات المتواجدين في مواقع القرار، سواء في الإدارة أو السياسة، لم يحولوا هذه المواقع إلى آليات دفاع عن مدينتهم. بالعكس، ساد نوع من الانفصال أو “الخيانة الرمزية”، حيث يبدو أن بعضهم قدّم مصالحه الشخصية على المصلحة العامة للمدينة، في مشهد يمكن أن نصفه بنظرية “النخبة المرتدة” التي تفقد صلتها بجذورها لصالح طموحاتها الفردية.
ثالثًا: ديناميات التمركز الجهوي
لا يمكن إغفال أن منطق التمركز الاقتصادي والثقافي، الذي تسير فيه السياسات العمومية، يسير نحو إعادة تركيز الثروات والأنشطة في محاور معينة (الرباط-الدار البيضاء-فاس)، وهو ما يضع المدن التي تقع في الهوامش الجغرافية للقرارات الكبرى مثل سطات، في موقع التهميش البنيوي، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية فقط.
خاتمة: هل يمكن أن نعيد للمدينة حقها؟
إن إنصاف سطات لا يتم فقط عبر إعادة معرض الفلاحة أو أي تظاهرة مشابهة، بل عبر مراجعة شاملة لمنظور السياسات الجهوية، والاعتراف بخصوصيات المدن على أساس مؤهلاتها الطبيعية والتاريخية لا على أساس الحسابات السياسية الضيقة. كما أن استنهاض النخب المحلية لتحمل مسؤوليتها التاريخية أمام مدينتها أصبح أولوية لا تحتمل مزيدًا من التأجيل.
لعل السؤال الأعمق الذي يجب أن نطرحه: هل نحن بحاجة إلى معارض موسمية تلمّع الواجهة؟ أم إلى عدالة مجالية تعيد توزيع الفرص والاعتبار لكل مدينة وفق قيمتها الحقيقية؟

